سبيل المستبصرين إلى الصراط المستقيم - الحسيني، صلاح الدين - الصفحة ٧٤
زبيب فيلقى فيه تمر وتمر فيلقى فيه الزبيب[١].
وأحبّ أنْ ألفت نظر القارئ العزيز إلى أنّ معنى النبيذ في اللغة والعرف والشرع هو الخمر، وسأذكر لك بعض الأحاديث والأشعار والمعاني اللغوية من القواميس العربية، والتي تؤكّد على هذا المعنى، كما وأذكر أنْ شرب النبيذ كان مستفحلاً بين الناس بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فلقد روي عن العديد من الصحابة المنافقين أنّهم لم يتركوا شرب الخمر بعد تحريمه، فمعلوم ما جرى مع والي عثمان على الكوفة الصحابي الوليد بن عقبة، عندما صلّى الفجر بالناس أربعاً وكان سكراناً[٢]، وكذلك الحكام الأمويين والعباسيين اشتهرت عنهم روايات المجون والخمر، ولقد اقتدوا بمن أباح لهم ذلك من الصحابة، ونبيّن التفاصيل إنْ شاء الله في بحث الانقلاب والتغيير بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).
ورى الحاكم في مستدركه، عن أبي سعيد الخدري قال: لا أشرب نبيذ الجرّ، بعد إذ أتي النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بنشوان فقال: يا رسول الله، ما شربت خمراً، لكنيّ شربت نبيذ زبيب وتمر في دباء، فأمر به، فنهز بالأيدي، وخفق بالنعال[٣].
قال القرطبي: "وثبت بالنقل الصحيح أنّ عمر بن الخطّاب ـ وحسبك به عالماً باللسان والشرع ـ خطب على منبر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا أيّها الناس، ألا إنّه قد نزل تحريم الخمر يوم نزل، وهي من خمسة. من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير، والخمر ما خامر العقل. وهذا أبين ما يكون في معنى الخمر، يخطب به عمر بالمدينة على المنبر بمحضر جماعة الصحابة، وهم أهل اللسان، ولم يفهموا الخمر إلا ما ذكرناه، وإذا ثبت هذا بطل مذهب أبي حنيفة والكوفيين القائلين بأنّ الخمر لا تكون إلا من العنب، وما كان من غيره لا يسمّى
[١] سنن أبي داود ٢:١٩٠. [٢] اُنظر: السنن الكبرى للنسائي ٣: ٢٤٨. [٣] المستدرك على الصحيحين ٤: ٣٧٤.