سبيل المستبصرين إلى الصراط المستقيم - الحسيني، صلاح الدين - الصفحة ١٢٣
فلمّا وضعته تناول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم جذب حزبة من اللحم، فشقّها بأسنانه، ثُمّ ألقاها في نواحي الصفحة، ثُمّ قال: كلوا بسم الله، فأكل القوم حتّى نهلوا عنه، ما نرى إلا آثار أصابعهم، والله! إنْ كان الرجل الواحد منهم ليأكل مثل ما قدّمت لجميعهم، ثُمّ قال: اسقِ القوم يا عليّ! فجئتهم بذلك العسّ، فشربوا منه حتّى رووا جميعاً، وأيم الله! إنْ كان الرجل منهم ليشرب مثله.
فلمّا أراد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنْ يكلّمهم بدره أبو لهب إلى الكلام فقال: لقد شحركم صاحبكم، فتفرّق القوم ولم يكلّمهم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فلمّا كان الغد فقال: يا عليّ! إنّ هذا الرجل قد سبقني إلى ما سمعت من القول، فتفرّق القوم قبل أنْ أكلّمهم، فعد لنا مثل الذي صنعت بالأمس من الطعام والشراب، ثُمّ اجمعهم لي، ففعلت ثُمّ جمعتهم، ثُمّ دعاني بالطعام فقرّبته، ففعل به كما فعل بالأمس، فأكلوا وشربوا حتّى نهلوا، ثُمّ تكلّم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا بني عبد المطلب! إنّي والله ما أعلم شابا في العرب جاء قومه بأفضل ما جئتكم به! إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أنْ أدعوكم إليه، فأيّكم يؤازرني على أمري هذا؟ فقلت وأنا أحدثهم سنّا وأرمصهم عيناً وأعظمهم بطناً وأحمشهم ساقاً: أنا يا نبيّ الله، أكون وزيرك عليه! فأخذ برقبتي فقال: إنّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا، فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أنْ تسمع وتطيع لعليّ[١].
وإليك هذه الرواية المطابقة للرواية السابقة، لكن أرجو منك أنْ تدقّق فيها وتشاهد كيف أنّهم يحرّفون ويبدّلون فيما يتعلّق بأمير المؤمنين عليّ بن أبى طالب(عليه السلام): لمّا نزلت هذه الآية على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ
[١] كنز العمّال ١٣: ١٣١ ـ ١٣٢، وقول أبو لهب "لقد شحركم" كما في المصدر، لعلها سحركم كما في تفسير الطبري.