سبيل المستبصرين إلى الصراط المستقيم - الحسيني، صلاح الدين - الصفحة ٣٩٤
قال: فوالله، إنْ مكث الرجل الرامي إلا يسيراً، حتّى صبّ الله عليه الظمأ، فجعل لا يروى ويسقى الماء مبرداً، وتارة يبرّد له اللبن والماء جميعاً، ويسقى فلا يروى، بل يقول: ويلكم! اسقوني قتلني الظمأ.
قال: فوالله، ما لبث إلا يسيراً، حتّى أنفذ بطنه انفداد بطن البعير، ثمّ إنّ شمر ابن ذي الجوشن أقبل في نحو من عشرة من رجّال الكوفة، قبل منزل الحسين الذي فيه ثقله وعياله، فمشى نحوهم، فحالوا بينه وبين رحله.
فقال لهم الحسين: ويلكم!! إنْ لم يكن لكم دين، وكنتم لا تخافون يوم المعاد، فكونوا في دنياكم أحراراً، وذوي أحساب، امنعوا رحلي وأهلي من طغاتكم وجهّالكم. فقال ابن ذي الجوشن: ذلك لك يا ابن فاطمة، ثمّ أحاطوا به، فجعل شمر يحرّضهم على قتله.
فقال له أبو الجنوب: وما يمنعك أنت من قتله؟
فقال له شمر: إلي تقول ذا؟
فقال أبو الجنوب: إلي تقول ذا؟ فاستبّا ساعة.
فقال له أبو الجنوب، وكان شجاعاً: والله لقد هممت أنْ أخضخض هذا السنان في عينك، فانصرف عنه شمر.
ثمّ جاء شمر، ومعه جماعة من الشجعان، حتّى أحاطوا بالحسين، وهو عند فسطاطه، ولم يبقَ معه أحد يحول بينهم وبينه، فجاء غلام يشتدّ من الخيام، كأنّه البدر، وفي أذنيه درّتان، فخرجت زينب بنت عليّ لتردّه، فامتنع عليها، وجاء يحاجف عن عمّه، فضربه رجل منهم بالسيف، فاتّقاه بيده، فأطنّها سوى جلده.
فقال: يا أبتاه.
فقال له الحسين: يا بني، احتسب أجرك عند الله، فإنّك تلحق بآبائك