سبيل المستبصرين إلى الصراط المستقيم - الحسيني، صلاح الدين - الصفحة ٣٦٣
الكلمات، أو نظرت إلى بريق السيف وسمعت: الحكم لله، لا لك يا عليّ، ولا لأصحابك. فرأيت سيفاً ورأيت ناساً، وسمعت عليّاً يقول: " لا يفوتكم الرجل ". وشدّ عليه الناس من كلّ جانب. فلم أبرح حتّى أُخذ ابن ملجم فأدخل على عليّ، فدخلت فيمن دخل من الناس، فسمعت عليّاً يقول: " النفس بالنفس، إنْ هلكت فاقتلوه كما قتلني، وإنْ بقيت، رأيت فيه رأيي ". وما أدخل ابن ملجم على عليّ قال له: " يا عدوّ الله، ألم أحسن إليك؟ ألم أفعل بك؟ قال: بلى، قال: ( فما حملك على هذا )؟ قال: شحذته أربعين صباحاً، فسألت الله أنْ يقتل به شرّ خلقه، قال له عليّ ( ما أراك إلا مقتولاً به، وما أراك إلا من شرّ خلق الله عزّ وجلّ ). وكان ابن ملجم مكتوفاً بين يدي الحسن، إذ نادته أمّ كلثوم بنت عليّ، وهي تبكي: ( يا عدو الله، [إنّه] لا بأس على أبي، والله عزّ وجلّ مخزيك ). قال: فعلامَ تبكين، والله لقد اشتريته بألف، وسممته بألف، ولو كانت هذه الضربة لجميع أهل مصر، ما بقي منهم أحد ساعة، وهذا أبوك باقياً حتّى الآن. فقال عليّ للحسن: ( إنْ بقيت، رأيت فيه رأيي، ولئن هلكت من ضربتي هذه، فاضربه ضربة، ولا تمثّل به، فإنّي سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ينهى عن المثلة، ولو بالكلب العقور )[١].
وقبل أنْ نختم البحث، نذكر على سبيل المقارنة مع الأمم السابقة أنّ الأمّة الإسلاميّة أيضاً قد اتّبعت سنن السابقين في قتل أوصياء أنبيائهم، فها هم قد قتلوا وصيّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي قيل فيه ما فيه من الفضائل والمناقب، فكان أوّل مظلوم بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، حيث غصب حقّه، وهُتكت حرمته، ولم يعرفوه حقّ معرفته، حتّى ضاق صدره من الدنيا وما فيها، وكان(عليه السلام) يخبر مراراً عن استشهاده بيد أشقى الأوّلين والآخرين ابن ملجم، وكان يقول وهو يمسح لحيته الشريفة: " ما يحبس أشقاها، أنْ يخضّبها من فوقها بدم "[٢].
[١] مجمع الزوائد ٩: ١٣٩ ـ ١٤٢، أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ١: ٩٧ ـ ١٠٠. [٢] الإرشاد ١: ١٣، واُنظر نحوه في المعجم الكبير ١: ١٠٥، كنز العمّال ١٣: ١٨٧.