سبيل المستبصرين إلى الصراط المستقيم - الحسيني، صلاح الدين - الصفحة ٣٩٣
الحسين صدره على صدره، ثمّ جاء به حتّى ألقاه مع ابنه عليّ الأكبر، ومع من قتل من أهل بيته، فسألت عن الغلام، فقيل لي: هو القاسم بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب.
وقال هانئ بن ثبيت الحضرمي: إنّي لواقف يوم مقتل الحسين، عاشر عاشرة، ليس منّا رجل إلا على فرس، إذ خرج غلام من آل الحسين، وهو ممسك بعود من تلك الأبنية، وعليه إزار وقميص، وهو مذعور يلتفت يميناً وشمالاً، فكأنّي أنظر إلى درّتين في أذنيه تذبذبان كلّما التفت، إذ أقبل رجل يركض فرسه، حتّى إذا دنا من الغلام، مال عن فرسه، ثمّ أخذ الغلام، فقطّعه بالسيف.
قال هشام السكوني: هانئ بن ثابت، هو الذي قتل الغلام، خاف أنْ يعاب ذلك عليه، فكنّى عن نفسه.
قال: ثمّ إنّ الحسين أعيا، فقعد على باب فسطاطه، وأتي بصبيّ صغير من أولاده، اسمه عبد الله فأجلسه في حجره، ثمّ جعل يقبّله، ويشمّه، ويودّعه، ويوصي أهله، فرماه رجل من بني أسد يقال له: ابن موقد النار، بسهم، فذبح ذلك الغلام.
فتلقّى حسين دمه في يده، وألقاه نحو السماء، وقال: ربّ إنْ تكُ قد حبست عنّا النصر من السماء، فاجعله لما هو خير، وانتقم لنا من الظالمين...
وقد اشتدّ عطش الحسين، فحاول أنْ يصل إلى أنْ يشرب من ماء الفرات، فما قدر، بل مانعوه عنه.
فخلص إلى شربه منه، فرماه رجل يقال له: حصين بن تميم، بسهم في حنكه، فأثبته، فانتزعه الحسين من حنكه ففار الدم، فتلقّاه بيديه، ثمّ رفعهما إلى السماء، وهما مملوءتان دماً، ثمّ رمى به إلى السماء وقال: اللهمّ أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تذر على الأرض منهم أحداً، ودعا عليهم دعاء بليغاً.