سبيل المستبصرين إلى الصراط المستقيم - الحسيني، صلاح الدين - الصفحة ٢٣٠
ويجب أنْ نتنبّه على قضيّة مهمّة، ولا نمّر عنها دون تأمّل، وهي كيفيّة إبلاغ سورة براءة للمسلمين، تلك السورة الكريمة التي تكشف حقيقة المنافقين من الصحابة، حيث أعطاها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لأبي بكر ليبلّغها للناس، ثُمّ نزل جبريل وأمره أنْ ينتزعها من أبي بكر، بعد ذلك قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): "لا يذهب بها، إلا رجل منّي وأنا منه"[١].
هناك في تلك الحادثة لفتات مهمّة جدّاً، وهي أنّنا على يقين تامّ بأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لا ينطق عن الهوى إنْ هو إلا وحي يوحى، وكان(صلى الله عليه وآله وسلم) خصوصاً في التشريع، لا يتصرّف إلاّ بحسب الأمر الإلهي، فلماذا إذاً هذه الحركة الإلهية، يرسل أوّلاً أبا بكر، ثُمّ تنتزع منه هذه السورة المليئة بفظائع المنافقين، ثُمّ تُعطى لأمير المؤمنين(عليه السلام)، كأنّ تلك الحركة الإلهية تلفت نظر المسلمين إلى أنّ قضيّة النفاق قضيّة متعلّقة بالولاء والبراءة من أمير المؤمنين، حيث إنّ من يبلّغ الناس سورة - مثل سورة البراءة - يجب قطعاً أنْ يكون مبرّئ من النفاق والرجس.
ثُمّ إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قد فضح المنافقين من أهل المدينة مرّات عديدة بأسمائهم، ودلّل عليهم، عندما أخرج من المسجد ستّة وثلاثون صحابياً كانوا من المنافقين.
روى الطبري عن ابن عبّاس في قول الله: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ...}[٢]،إلى قوله: {عَذَاب عَظِيم}، قال: قام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خطيبا يوم الجمعة فقال: أخرج يا فلان، فإنّك منافق، أخرج يا فلان، فإنّك منافق، فأخرج من المسجد ناساً منهم فضحهم، فلقيهم عمر، وهم يخرجون من المسجد، فاختبأ منهم حياء أنّه لم يشهد الجمعة، وظنّ أنّ
[١] مسند أحمد ١: ٣٣٠ ـ ٣٣١، المستدرك على الصحيحين ٣: ١٣٢ ـ ١٣٤. [٢] التوبة: ١٠١.