سبيل المستبصرين إلى الصراط المستقيم - الحسيني، صلاح الدين - الصفحة ١٢٧
كان الرجل الواحد منهم ليأكل ما قدّمت لجميعهم ثُمّ قال: "اسقِ القوم" فجئتهم بذلك العسّ، فشربوا منه حتّى رووا منه جميعاً، وأيم الله إنْ كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله، فلمّا أراد رسول الله أنْ يكلّمهم، بدره أبو لهب إلى الكلام فقال: لهد ما سحركم صاحبكم، فتفرق القوم ولم يكلّمهم رسول الله، فقال: "الغد يا عليّ، إنّ هذا الرجل سبقني إلى ما قد سمعت من القول، فتفرّق القوم قبل أنْ أكلّمهم، فعدِ لنا من الطعام بمثل ما صنعت، ثُمّ اجمعهم إلي، قال: ففعلت، ثُمّ جمعتهم، ثُمّ دعاني بالطعام فقرّبته لهم، ففعل كما فعل بالأمس، فأكلوا حتّى ما لهم بشيء حاجة ثُمّ قال: اسقهم، فجئتهم بذلك العسّ، فشربوا حتّى رووا منه جميعاً، ثُمّ تكلّم رسول الله فقال: "يا بني عبد المطلب إنّي والله ما أعلم شابّا في العرب جاء قومه بأفضل ممّا قد جئتكم به، إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله تعالى أدعوكم إليه، فأيّكم يؤازرني على هذا الأمر، على أنْ يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم"، قال: فأحجم القوم عنها جميعاً، وقلت وإنّي لأحدثهم سنّا وأرمصهم عيناً وأعظمهم بطناً وأحمشهم ساقاً، أنا يا نبيّ الله، أكون وزيرك عليه، فأخذ برقبتي ثُمّ قال: "إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا"، قال: فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أنْ تسمع لابنك وتطيع" ورواه في الكامل وغيره[١].
[١] اُنظر: الكامل في التاريخ ٢: ٦٢ ـ ٦٣.