سبيل المستبصرين إلى الصراط المستقيم - الحسيني، صلاح الدين - الصفحة ٣٠٣
البلاد"[١].
والآن أعود، وأذكّر بأنّ السيّدة الزهراء(عليها السلام) بعد أنْ غضبت على أبي بكر وعمر، ردّت عليهم بخطبة بليغة، أقدّمها بين يدي القارئ العزيز، فعلى إثر الأحداث المريرة التي شهدتها الساحة الإسلاميّة بعد وفاة الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، مثل قضيّة اغتصاب الخلافة، والاعتداء على حقّ أمير المؤمنين(عليه السلام)، وغصب فدك من فاطمة الزهراء(عليها السلام)، والهجوم على دارها، وغير ذلك من الأحداث الأليمة، رأت الزهراء(عليها السلام) أنّ الواجب يفرض عليها أنْ تقف مع الحقّ، وتقول كلمة الحقّ، وكذا خرجت إلى مسجد النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، ووقفت أمام جموع المهاجرين والأنصار، وخطبت بهذه الخطبة القيّمة.
خطبة الزهراء في الردّ على أبي بكر وعمر:
لمّا أجمع أبو بكر وعمر على منع فاطمة(عليها السلام) فدكاً، وبلغها ذلك، لاثت خمارها على رأسها، واشتملت بجلبابها، وأقبلت في لمّة من حفدتها ونساء قومها، تطأ ذيولها، ما تخرم مشيتها مشية رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، حتّى دخلت على أبي بكر، وهو في حشد من المهاجرين والأنصار وغيرهم، فنيطت دونها ملاءة، فجلست، ثُمّ أنّت أنّة أجهش القوم لها بالبكاء، فأرتجّ المجلس ثُمّ أمهلت هنيئة، حتّى إذا سكن نشيج القوم، وهدأت فورتهم، افتتحت الكلام بحمد الله والثناء عليه والصلاة على رسوله، فعاد القوم في بكائهم، فلمّا أمسكوا، عادت في كلامها، فقالت: الحمد لله على ما أنعم، وله الشكر على ما ألهم، والثناء بما قدّم من عموم نعم ابتدأها، وسبوغ آلاء أسداها، وتمام منن أولاها، جمّ عن الإحصاء عددها، ونأى عن الجزاء أمدها، وتفاوت عن الإدراك أبدها، وندبهم لاستزادتها بالشكر لاتصالها، واستحمد إلى الخلائق بإجزالها، وثنّى بالندب إلى أمثالها، وأشهد أنْ لا إله إلاّ الله
[١] المستدرك ٤: ٤٦٤.