سبيل المستبصرين إلى الصراط المستقيم - الحسيني، صلاح الدين - الصفحة ٤٨٩
وكانت دواعي وضع الحديث في عهد معاوية وحكومة الأمويين التي دامت أكثر من ثمانين عامّاً، أشدّ من عهد الخلفاء قبله، وخاصّة في السنوات الخمس والعشرين الأخيرة من حكمه. وكلّما مرّ الزمان، كانت رغبة المسلمين تجاه أمير المؤمنين(عليه السلام) ومعرفة مقامه وأهميّة شأنه تزداد شيئا فشيئاً، وكانوا مولعين بسماع الأحاديث الصحيحة وروايتها، وهذا ما لا شكّ فيه كان يضرّ بكيان معاوية وموقعه في المجتمع أكثر ممّا يتصور ; ولذلك بادر معاوية إلى أنْ يتدارك المشكلة، ويشيّد الحكم الأمويّ ويقوّيه، فعمد إلى اختلاق وجعل الأحاديث التي تنفع بحاله، وتقوّى سياسته، وتوضع بديلة عن الأحاديث الصحيحة، وتنشر في المجتمع، وتروى للناس. ومن هنا اكتسحت المجتمع مفترياته، وقرئت على الناس مختلقاته، وحقّق معاوية بمكره ودهائه المعروف ما أراده على كلا الصعيدين ; وذلك عبر جهتين: فهو من جهة أعلن على المنبر عن منع كلّ حديث لم يسمع به في عهد عمر، ومن جهة أخرى عبّأ الوضّاعين، وأكرم كلّ من يروي حديثا في فضائل عثمان وأصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) المناوئون لعليّ وأكرمهم بالعطايا الجزيلة والهدايا الثمينة، وحثّهم على جعل الحديث ونقل الأكاذيب. فكتب أبو الحسن المدائني في كتابة الأحاديث وثيقة تاريخيّة مهمّة تحتوي على بيان حقائق حول كيفيّة منع الحديث، وجعل الأحاديث المفترية على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في عهد معاوية.
وننقل للقارئ مقتطفات من كلام المدائني، الذي نقله عنه ابن أبي الحديد في شرح النهج ; لما فيه الكفاية عن نقل سائر الشواهد الأخرى، وتجنّبا عن الإطناب والإطالة.
قال المدائني: كتب معاوية نسخة واحدة إلى عمّاله بعد عام الجماعة: أنْ برئت الذّمة ممّن روى شيئا من فضل أبي تراب [يعني الإمام عليّ] وأهل بيته. فقام الخطباء في كلّ كورة وعلى كلّ منبر يلعنون عليّاً ويبرؤون منه، ويقعون فيه وفي