سبيل المستبصرين إلى الصراط المستقيم - الحسيني، صلاح الدين - الصفحة ٩٤
رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يعلّمنا . . .
ومن أكثر الأمور دقّة وأشدّها توضيحاً موضوع الوصيّة، فقد حثّ القرآن الكريم في العديد من الآيات على الوصيّة، وعلى كتابتها قال تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ)[١].
وكذلك هناك كمّ هائل من الأحاديث النبويّة التي توجب الوصيّة على المسلمين، وأنّه لا يجوز للمسلم أنْ ينام إلا ووصيّته تحت وسادته.
قال السيوطي: أخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، عن الزهري قال: جعل الله الوصيّة حقّا ممّا قلّ منه وممّا كثر. وأخرج عبد بن حميد، والبخاري، ومسلم عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: "ما حقّ امرئ مسلم تمرّ عليه ثلاث ليال إلاّ وصيّته عنده"[٢].
ومن الأمور المسلّم بها عقلاً وطبعاً وعادةً أنّ أيّ شخص في هذا العالم حتّى ولو كان غير مسلم، فإنّه إذا أراد سفراً فإنّه لا يمكن أنْ يترك مصالحه العمليّة الدنيوية دون أنْ يرتب لشخص يخلفه في تلك المصالح أثناء فترة غيابه. وهذا الأمر متعارف عليه إنسانيّاً وفطريّا، ولا يوجد من يخالف هذه الفطرة لا سابقاً ولا حاليا. وكثيراً ما ننزل إلى الأسواق قاصدين محلاً من المحلاّت، فنجد شخصاً آخر في المحلّ غير صاحبه، ونسأله من أنت؟ فيجيب أنا اعمل مكان صاحب المحلّ ; لأنّ صاحبه قد سافر إلى أداء فريضة الحجّ أو إلى الصين للتجارة، وأنا أقوم مكانه بإدارة شؤون محلّ عمله.
هذه حقيقة مسلّم بها، نشاهدها مئات المرّات في حياتنا، حتّى أنّ صاحب
[١] البقرة: ١٨٠. [٢] الدرّ المنثور ١: ١٧٤.