سبيل المستبصرين إلى الصراط المستقيم - الحسيني، صلاح الدين - الصفحة ٣٠٤
وحده لا شريك له، كلمة جُعل الإخلاص تأويلها، وضمن القلوب موصولها، وأنار في التفكير معقولها، الممتنع من الأبصار رؤيته، ومن الألسن صفته، ومن الأوهام كيفيّته، ابتدع الأشياء لا من شيء من قبلها، وأنشأها بلا احتذاء أمثلة امتثلها، كوّنها بقدرته، وذراها بمشيّته من غير حاجة منه إلى تكوينها، ولا فائدة له في تصويرها، إلا تثبيتا لحكمته، وتنبيها على طاعته، وإظهاراً لقدرته، وتعبّداً لبريّته، واعزازاً لدعوته، ثُمّ جعل الثواب على طاعته، ووضع العقاب على معصيته ذيادة لعباده من نقمته، وحياشة لهم إلى جنّته، وأشهد أنّ أبي محمّداً عبده ورسوله، اختاره قبل أنْ أرسله، وسمّاه قبل أنْ اجتباه، واصطفاه قبل أنْ ابتعثه، إذ الخلائق بالغيب مكنونة، وبستر الأهاويل مصونة، وبنهاية العدم مقرونة، علماً من الله تعالى بمآيل الأمور، وإحاطة بحوادث الدهور، ومعرفة بمواقع الأمور ابتعثه الله إتماماً لأمره، وعزيمة على إمضاء حكمه، وإنفاذاً لمقادير رحمته، فرأى الأمم فرقاً في أديانها، عكّفا على نيرانها، عابدة لأوثانها، منكرة لله مع عرفانها، فأنار الله بأبي محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)ظلمها، وكشف عن القلوب بهمها، وجلي عن الأبصار غممها، وقام في الناس بالهداية، فأنقذهم من الغواية، وبصّرهم من العماية، وهداهم إلى الدين القويم، ودعاهم إلى الطريق المستقيم، ثُمّ قبضه الله إليه قبض رأفة واختيار، ورغبة وإيثار، فمحمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) من تعب هذه الدار في راحة، قد حفّ بالملائكة الأبرار، ورضوان الربّ الغفّار، ومجاورة الملك الجبّار، صلّى الله على أبي نبيّه وأمينه وخيرته من الخلق وصفيه والسلام عليه ورحمة الله وبركاته، ثُمّ التفتت إلى أهل المجلس وقالت: أنتم عباد الله نصب أمره ونهيه، وحملة دينه ووحيه، وأمناء الله على أنفسكم، وبلغاءه إلى الأمم، زعيم حقّ له فيكم، وعهد قدّمه إليكم، وبقيّة استخلفها عليكم، كتاب الله الناطق، والقرآن الصادق، والنور الساطع، والضياء اللامع، بيّنة بصائره، منكشفة سرائره، منجلية ظواهره، مغتبطة به أشياعه، قائداً إلى الرضوان أتباعه، مؤدّ إلى النجاة استماعه، به تنال حجج الله المنوّرة، وعزائمه المفسّرة،