سبيل المستبصرين إلى الصراط المستقيم - الحسيني، صلاح الدين - الصفحة ٤٩١
وخدمهم وحشمهم، فلبثوا بذلك ما شاء الله.
ثمّ كتب إلى عماله نسخة واحدة إلى جميع البلدان: اُنظروا من قامت عليه البيّنة أنّه يحبّ عليّاً وأهل بيته فامحوه من الديوان، واسقطوا عطاءه ورزقه. وشفّع ذلك بنسخة أخرى: من اتّهمتموه بموالاة هؤلاء القوم، نكّلوا به، واهدموا داره، فلم يكن البلاء أشدّ ولا أكثر منه بالعراق، ولا سيما الكوفة، حتّى أنّ الرجل من شيعة عليّ(عليه السلام) ليأتيه من يثق به فيدخل بيته فيلقي إليه سرّه، ويخاف من خادمه ومملوكه، ولا يحدّثه حتّى يأخذ عليه الإيمان الغليظة ; ليكتمنّ عليه، فظهر حديث كثير موضوع، وبهتان منتشر، ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة، وكان أعظم الناس في ذلك بليّة القرّاء المراؤون والمستضعفون الذين يظهرون الخشوع والنسك، فيفتعلون الأحاديث ; ليحظوا بذلك عند ولاتهم، ويقرّبوا مجالسهم، ويصيبوا به الأموال والضياع والمنازل، حتّى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث إلى أيدي الديّانين الذين لا يستحلّون الكذب والبهتان، فقبلوها ورووها وهم يظنّون أنّها حقّ، ولو علموا أنّها باطلة لما رووها ولا تديّنوا بها[١].
هذا الوضع الخطير الذي أراده معاوية ومن والاه من المنافقين من الصحابة استنكره عددٌ كبير من الصحابة المنتجبين، الذين أوفوا بعهدهم مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فهذا محمّد بن أبي بكر - أرسل إلى معاوية قائلا: من محمّد بن أبي بكر، إلى الغاوي ابن صخر، سلام على أهل طاعة الله ممّن هو مسلم لأهل ولاية الله. أمّا بعد:
فإنّ الله بجلاله وعظمته وسلطانه وقدرته، خلق خلقاً بلا عبث ولا ضعف في قوّته، لا حاجة به إلى خلقهم، ولكنّه خلقهم عبيداً، وجعل منهم شقيّاً وسعيداً، وغويّاً ورشيداً، ثمّ اختارهم على علمه، فاصطفى وانتخب فيهم محمّداً صلّى الله عليه وآله فاختصّه برسالته، واختاره لوحيه، وأتمنه على أمره، وبعثه رسولا
[١] شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١١: ٤٤ ـ ٤٦.