سبيل المستبصرين إلى الصراط المستقيم - الحسيني، صلاح الدين - الصفحة ٣١
فنرى الآيتين تشيران بوضوح إلى أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لا ينطق عن ميول نفسانية، وأنّ ما ينطق به وحي القى في روعه وأوحى في قلبه، ومن لا يتكلّم عن الميول النفسانية ويعتمد في منطقه على الوحي يكون مصوناً من الزلل في المرحلتين: مرحلة الأخذ والتبليغ، اّذ قال سبحانه: {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى}، {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى}.
وفي التعبير عن عصمة النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) نجد في نهج البلاغة للإمام علي(عليه السلام)في خطبته القاصعة يقول: "ولقد قرن الله به من لدن أنْ كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته، يسلك به طريق المكارم، ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره"[١].
ودلالة هذه الجمل من هذه الخطبة على عصمة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في القول والعمل عن الخطأ والزلل واضحة، فإنّ من ربّاه أعظم ملك من ملائكة الله سبحانه من لدن أنْ كان فطيماً، إلى أُخريات حياته الشريفة، لا تنفكّ عن المصونية من العصيان والخطأ، كيف وهذا الملك يسلك به طريق المكارم، ويربيه على محاسن أخلاق العالم، ليله ونهاره، لا يعصي ولا ينحرف عن الجادّة الوسطى، وليست المعصية إلا سلوك طريق المآثُمّ ومساوئ الأخلاق، ومن يسلك الطريق الأوّل يكون متجنباً عن سلوك الطريق الثاني.
إنّ حياة الأنبياء من لدن ولادتهم إلى زمان بعثتهم، مشحونة بالمجاهدات الفردية، والاجتماعية، فقد كانوا يجاهدون النفس الأمارة أشدّ الجهاد، ويمارسون تهذيب أنفسهم، بل ومجتمعهم، فهذا هو يوسف الصدّيق(عليه السلام) جاهد نفسه الأمّارة وألجمها بأشدّ الوجوه عندما راودته من هو في بيتها قال تعالى في سورة يوسف: {وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ}، فأجاب بالرد والنفي بقوله: {مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي
[١] نهج البلاغة شرح محمّد عبده ٢: ١٥٧.