نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٤٥٣ - كيفية نزول القرآن
من المدينة إلي الطائف، فلذلك كان طريد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و قد اختلف في السبب الموجب لنفى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) إياه، فقيل: كان يتسمّع سرّ رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و يطّلع عليه من باب بيته، و أنه الّذي أراد النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن يفقأ عينه بمدري [١] في يده، لما اطّلع عليه من الباب. و قيل سببه: أنه كان يحكيه في مشيته و بعض حركاته.
و قد ذكره عبد الرحمن بن حسان بن ثابت في هجائه لمروان بن الحكم فقال:
إنّ اللعين أبوك فارم عظامه * * * إن ترم ترم مخلّجا مجنونا
يمشي خميص البطن من عمل التّقي * * * و يظلّ من عمل الخبيث بطينا
و معنى قول عبد الرحمن: «إنّ اللعين» إلى آخره: ما روي عن عائشة رضى الله عنها من طرق ذكرها ابن أبي خيثمة أنها قالت لمروان بن الحكم، حين قال لأخيها عبد الرحمن بن أبى بكر لما امتنع من البيعة ليزيد بن معاوية بولاية العهد، ما قال، و القصة مشهورة: «أما أنت يا مروان، فأشهد أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) لعن أباك و أنت في صلبه» [٢].
و قد روى في لعنه و نفيه أحاديث كثيرة، و لا حاجة إلى ذكرها، إلا أن الأمر المقطوع به أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) مع حلمه و إغضائه علي ما يكره ما فعل به ذلك إلا لأمر عظيم، و لم يزل منفيا حياة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فلما ولي أبو بكر الخلافة قيل له في الحكم ليردّه إلى المدينة فقال: ما كنت لأحلّ عقدة عقدها رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و كذلك عمر، فلما ولى عثمان رضى الله عنه الخلافة ردّه، و قال: «كنت قد شفعت فيه إلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فوعدنى بردّه» [٣]. و توفى في خلافة عثمان (رضي الله عنه).
إلي غير ذلك مما لا يحصي، و يكفى أن منها [٤] كرامات الأولياء التى لا تستقصى [٥].
و ما يذكره بعض القصّاص من أن القمر دخل في جيب النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و خرج من كمه، فليس له أصل، كما حكاه الشيخ بدر الدين الزركشى عن العماد بن كثير، و كذلك لم يخلق الورد من عرقه و لا من غيره كما يتخيله بعض العوام أنه من
[١] حديدة أو خشبة مدببة الطرف.
[٢] و بقية كلامها له: «فأنت فظاظة من لعنة الله».
[٣] و هذه أيضا رد علي الذين يزعمون أن عثمان كان يوالى أقرباءه. ألا لعنة الله علي الكذبة.
[٤] أى من معجزاته (صلّى اللّه عليه و سلّم): كل كرامة أكرم بها ولى من الأولياء، فإن سببها رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)؛ إذ لولاه ما كان وليّا.
[٥] أى من معجزاته (صلّى اللّه عليه و سلّم): كل كرامة أكرم بها ولى من الأولياء، فإن سببها رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)؛ إذ لولاه ما كان وليّا.