نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٤٥٤ - كيفية نزول القرآن
عرقه أو البراق أو جبريل، بل خلقه الله كسائر الأزهار، و لم يكن وطؤه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يؤثّر في الصخر دون الرمل، كما توارد عليه كثيرون [١]، بل كان كغيره من الناس، أي في عدم تأثير وطء قدميه الكريمتين في الحجر و تأثيرهما في الرمل.
و قال بعضهم معدّدا لآياته (صلّى اللّه عليه و سلّم):
و من تلكم الآيات وحي أتي به * * * قريب الماتي مستجمّ العجائب
تقاصرت الأفكار عنه فلم يطع * * * بليغا و لم يخطر علي قلب خاطب
حوي كلّ علم، فاحتوى كلّ حكمة * * * و فات مرام المستمر الموارب
أتانا به لا عن رواية [٢]مرتئي * * * و لا صحف مستمل و لا وصف كاتب
يؤاتيه طورا في استجابة سائل * * * و إفتاء مستفت و وعظ مخاطب
و إثبات برهان و فرض شرائع * * * و قصّ أحاديث و نص مآرب
و تصريف أمثال و تثبيت حجّة * * * و تعريف ذى جحد و توقيف كاذب
و في مجمع النادي و في حومة الوغي * * * و عند حدوث المعضلات الغرائب
يصدّق منه البعض بعضا كأنما * * * يلاحظ معناه لغير المراقب
فيأتي علي ما شئت من طرقاته * * * قويم المعاني مستدرّ الضرائب
و عجز الوري عن أن يجيبوا بمثل ما * * * وصفناه معلوم بطول التجارب
و ذكر الإمام فخر الدين أن من كانت معجزاته أظهر يكون ثواب أمته أقلّ، قال السبكي: إلا هذه الأمة؛ فإن معجزات نبيها أظهر و ثوابها أكثر من سائر الأمم. و قد ألّف العلماء الحفّاظ و الثقات الأيقاظ في سيرته و معجزاته كتبا كثيرة و مجلدات كبيرة، و ما أتوا بعشر معشار فضائله، و لا بقطرة من بحار فواضله (و كان أكثر مما قيل ما تركوا) كما قال بعضهم:
لو أنّ بحرا مداد الكاتبين و ما * * * في الأرض من شجر أقلام مستطر
لم يحصروا بعض فضل المصطفى أبدا * * * و كيف يحصر شيء غير منحصر
[١] كونه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إذا مشى في الصخر أثر، و إذا مشي علي الرمل لا يؤثر: اشتهر ذلك عن بعض العلماء، و لم يرد في الصحاح. و الله أعلم.
[٢] فى الأصل المطبوع (رؤية) و بها ينكسر الوزن، و قد رأينا أن كلمة (رواية) تجبر كسر الوزن و تؤدى المعنى.