الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٨٧ - الضّيوف الغرباء !
الشيطان من طرف آخر).
و من لطيف البيان القرآني شروع الآيات بذكر قصة ضيف إبراهيم (و هم الملائكة الذين جاؤوا بهيئة البشر و بشروه بولد جليل الشأن، و من ثمّ أخبروه عن أمر عذاب قوم لوط).
فقد جاء في الآيتين السابقتين أمر اللّه إلى نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بتبيان سعة رحمة اللّه للناس مع تبيان أليم عذابه، و يطرح في هذه القصة نموذجين حيين لهاتين الصفتين، و بذلك تتبيّن صلة الربط بين هذه الآيات.
فتقول أوّلا: وَ نَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ.
فكلمة «ضيف» جاءت بصيغة المفرد، و لا مانع من ذلك حيث ذهب بعض كبار المفسّرين إلى أن «ضيف» تستعمل مفردا و جمعا.
و هؤلاء الضيوف هم الملائكة الذين دخلوا على إبراهيم عليه السّلام بوجوه خالية من الابتسامة، فابتدءوه بالسلام إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً.
فقام إبراهيم عليه السّلام بوظيفته (إكرام الضيف)، فهيأ لهم طعاما و وضعه أمامهم، إلّا أنّهم لم يدنوا إليه، فاستغرب من موقف الضيوف الغرباء، فعبّر عمّا جال في خاطره قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ [١].
و كان مصدر خوف إبراهيم عليه السّلام ممّا كان عليه متعارفا في مسألة رد الطعام أو عدم التقرب منه، فهو عندهم إشارة إلى وجود نيّة سوء أو علامة عداء.
و لكن الملائكة لم يتركوا ابراهيم في هذا الحال حتى: قالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ.
من هو المقصود بالغلام العليم؟
يبدو من خلال متابعة الآيات القرآنية أنّ المقصود هو (إسحاق)، حيث نقرأ
[١]- إنّ الآيات مورد البحث لم تذكر هذا التفصيل في تهيئة الطعام و عدم مد أيديهم إليه، إلّا أنّ ذلك ورد في الآية (٦٩) و (٧٠) من سورة هود فليراجع.