الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٣٠ - مراحل العقاب الإلهي
اللّه تعالى، و الذين يعيشون حياة مترفة بعيدة عن الشرع مملوءة بالأهواء و المفاسد، و هم بذلك لا يفقهون شيئا عن تلك المفردات التي تتحدث عن الأخلاق و الإنسانية و الإصلاح. و لهذا السبب بالذات، و بحكم موقعهم، كان المترفون دائما في الصفوف الأولى، في مواجهة دعوات الأنبياء و الرسل، و كانوا يعتبرون دعوات الأنبياء- القائمة على أساس العدل و حماية المستضعفين- ضدّهم.
لهذه الأسباب ذكر هؤلاء بالخصوص لأنّهم أساس الفساد. على أية حال، هذه الآية بمثابة تحذير لكل المؤمنين كي ينتبهوا، و لا يسلموا زمام أمورهم و حكوماتهم بيد المترفين و الأغنياء الغارقين بالشهوات، و ألّا يتبعونهم، لأنّ هؤلاء يجرون مجتمعهم نحو الهلاك.
الآية التي بعدها تشير إلى نماذج بهذا الخصوص، على أنّها أصل عام، و قاعدة سارية، إذ تقول: وَ كَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وفقا لهذه القاعدة و السنّة، ثمّ تضيف بعد ذلك: وَ كَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً أي إنّ ظلم و ذنوب فرد أو مجموعة لا يمكنها أن تكون خافية على العين البصيرة التي لا تنام لربّ العالمين.
«قرون» جمع «قرن» و هي تعني الجماعة التي تعيش في عصر واحد، ثمّ أطلقت فيما بعد على مجموع العصر الواحد.
أمّا بصدد عدد سنين القرن الواحد، فهناك آراء مختلفة، فقسم أعتبر القرن (٤٠) سنة، و آخرون قالوا: ثمانين، و البعض الثالث، قال: إنّ القرن مائة عام، أخيرا فقد اعتبر البعض أنّ القرن هو مائة و عشرون عاما. و في كلّ الأحوال لا بدّ من الإشارة هنا إلى أن الحكم في هذه القضية يخضع لطبيعة الاتفاق العرفي الذي ينعقد حولها. و من هنا فقد اتفق في عصرنا الراهن على أنّ كل مائة سنة تعتبر قرنا