الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٠ - سبب اختلاف الأرزاق
فيبتدأ القول ب وَ اللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ.
فمنه الممات كما كانت الحياة منه، و لتعلموا بأنّكم لستم خالقين لأي من الطرفين (الحياة و الموت).
و مقدار عمركم ليس باختياركم أيضا، فمنكم من يموت في شبابه أو في كهولته وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ [١].
و نتيجة هذا العمر الموغل في سني الحياة لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً [٢].
فيكون كما كان في مرحلة الطفولة من الغفلة و النسيان و عدم الفهم .. نعم ف إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ فكل القدرات بيده جل و علا، و عطاؤه بما يوافق الحكمة و المصلحة، و كذا أخذه لا يكون إلّا عند ما يلزم ذلك.
و يواصل القرآن الكريم استدلاله في الآية التالية من خلال بيان أنّ مسألة الرزق ليست بيد الإنسان و إنّما .. وَ اللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فأصحاب الثروة و الطول غير مستعدين لإعطاء عبيدهم منها و مشاركتهم فيها خوفا أن يكونوا معهم على قدم المساواة: فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ.
و احتمل بعض المفسّرين أنّ الآية تشير إلى بعض أعمال المشركين الناتجة عن حماقتهم، حينما كانوا يجعلون لآلهتهم من الأصنام سهما من مواشيهم و محاصيلهم الزراعية، بالرغم من عدم وجود أيّ أثر لتلك الأحجار و الأخشاب
[١]- «أرذل»: من (رذل) بمعنى الحقارة و عدم المرغوبية، و المقصود من «أرذل العمر»: السنين المتقدمة جدّا من عمر الإنسان حيث الضعف و النسيان، و لا يستطيع تأمين احتياجاته الأولية، و لهذا سماها القرآن بأرذل العمر، و قد اعتبر بعض المفسّرين أنّها تبدأ من عمر (٧٥) عامّا، و بعض آخر من (٩٠) و آخرون اعتبروها من (٩٥) .. و الحق أنّها لا تحدد بعمر، و إنّما تختلف من شخص لآخر.
[٢]- عبارة لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً يمكن أن تكون غاية و نتيجة للسنين المتقدمة من حياة الإنسان، فيكون مفهومها أنّ دماغ الإنسان و أعصابه في هذه السنين تفقد القدرة على التركيز و الحفظ فيسيطر على الإنسان النسيان و الغفلة. و يمكن أن يكون معناها العلّة، أي أنّ اللّه تعالى يوصل الإنسان إلى هذا العمر لكي يصاب بالنسيان، فيفهم الناس بأنّهم لا يملكون شيئا من أنفسهم.