الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤ - أدلة عدم تحريف القرآن
يجعلون تعليم القرآن مهورا للنساء. فكان للقرآن الحضور الفاعل في كل صغيرة و كبيرة من شؤون المسلمين، حتى أن الطفل ينمو على هديه.
و مرّة أخرى نقول: أو يعقل أن يصاب هذا الكتاب السماوي المقدس بسهام التحريف و التغيير و هو محفوظ في قلوب و سلوك المسلمين على مرّ التأريخ؟! لقد تمّ جمع القرآن- كما ذكرنا في المجلد الأوّل من هذا التّفسير- في عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و اهتمّ به المسلمون الأوائل أقصى درجات الاهتمام، في مجال تعلم أحكامه، و حفظه، لدرجة أصبحت فيها مكانة الفرد الاجتماعية تقاس بقدر حفظه من سور القرآن الكريم، حتى أصبح عدد حفاظ القرآن من الكثرة بحيث أنّه في إحدى المعارك قتل فيها أربعة آلاف منهم [١].
و كذلك الحال في عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حينما استشهد سبعون رجلا من الصحابة الذين حفظوا القرآن في معركة بئر معونة- و هي إحدى المناطق المجاورة للمدينة- [٢].
من هذين المثلين (و أمثالهما كثير) يتّضح لنا أن حفظة و قراء و معلمي القرآن الكريم من الكثيرة بحيث يستشهد منهم في معركة واحدة ذلك العدد الضخم.
و هذا طبيعي جدا إذا ما نظرنا إلى طريقة تعامل المسلمين مع القرآن، باعتباره القانون الحاكم النافذ، و الكتاب المقدس الذي لا يوجد سواه.
لم يكن القرآن الكريم كتابا مهملا في زوايا البيوت و المساجد يعلوه غبار النسيان حتى تسنح الفرصة لمن يريد أن يزيد فيه أو ينقص، بل إنّ مسألة حفظه كانت و ما زالت عبادة عظيمة و سنّة متبعة تمتد جذورها في عمق التاريخ الإسلامي.
و بعد أن ظهرت الطباعة كان القرآن الكريم أكثر الكتب من حيث الطبع
[١]- منتخب كنز العمال، كما نقل عنه (البيان في تفسير القرآن)، ص ٢٦٠.
[٢]- سفينة البحار، ج ١، ص ٥٧.