الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٥٥ - نعمة الجبال و البحار و النجوم
و الثابت في الواقع النفسي للإنسان، أن التعليم و التربية السليمة يستلزمان بذل أقصى سعي ممكن لإقناع المقابل بقبول ما يوجد إليه عن قناعة ذاتية، أي ينبغي إشعاره بأن ما يعطى إليه ما هو في حقيقته إلّا انبعاث من داخله و ليس فرضا عليه من الخارج ليتقبلها بكل وجوده و يتبناها و يدافع عنها.
و نجد من الضرورة إعادة ما قلناه سابقا من أن المشركين الذين كانوا يسجدون للأصنام كانوا يعتقدون أنّ اللّه عزّ و جلّ هو الخالق، و لهذا يتساءل القرآن الكريم .. من أحق بالسجود .. خالق كل شيء أم المخلوق؟! و في نهاية المطاف، يفند الباري سبحانه مسألة حصر النعم الإلهية بما ذكر، بقوله: وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها.
إنّكم غارقون في النعم الإلهية و في كل نفس يصعد و ينزل آلاف النعم (و لكل نعمة شكر واجب).
إنّ كل دقيقة تمر من عمرنا نكون فيها مدينين لفعاليات ملايين الموجودات الحيّة في داخل بدننا و ملايين الموجودات الحية و غير الحية في خارجة، و التي لا يمكننا أن نحيا و لو للحظة واحدة بدونها.
و لكنّ ضبابية الغفلة حالت دون معرفتنا لهذه النعم الجمة التي كلّما خطا العلم الحديث خطوة إلى الإمام اتّضحت لنا أبعاد واسعة و انفتحت لنا آفاقا جديدة في معرفة النعم الإلهية، و كل ما ندركه في هذا المجال قليل جدّا ممّا قدّره الباري لنا، فهل بإمكان المحدود أن يعد ما أعطاه المطلق؟! و نواجه في هذا المقام سؤالا و استفسارا: كيف إذن نؤدي حق الشكر للّه؟ و ..
ألسنا مع ما نحن فيه زمرّة الجاحدين؟
و قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ خير جواب لما واجهنا به.
نعم، فهو سبحانه أرحم و أرأف من أن يؤاخذنا على عدم الاستطاعة في أداء أتمّ الشكر على نعمه.