الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢ - الأماني الزّائفة!
طافوا بقصره، فأمر مناديه فنادى: ألا إنّ قيصر إنّما أراد أن يجرّبكم كيف صبركم على دينكم، فارجعوا فقد رضي عنكم. ثمّ قال للرسول: إنّي أخاف على ملكي. و إنّي لأعلم أنّ صاحبك نبيّ مرسل، و الذي كنّا ننتظره و نجده في كتابنا، و لكنّي أخاف الروم على نفسي، و لو لا ذلك لاتبعته). [١] و على أية حال، ينبغي التنويه بعدم وجود تعارض بين أيّ من التّفسيرين، فيمكن حمل الآية على ندم بعض من الكافرين في كلا العالمين (الدنيا و الآخرة)، و اعتبار عدم استطاعتهم العودة إلى الإسلام في حياتهم الدنيا و في الآخرة لجهات مختلفة- فتأمل.
ثمّ يأتي نداء السماء بلهجة لاذعة، يا محمّد ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَ يَتَمَتَّعُوا وَ يُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ فهم كالأنعام التي لا تعرف سوى الحقل و العلف، و لا تفهم سوى اللّذات المادية، و كل ما تريده لا يتعدى إطار ما تعرف و تفهم.
إنّهم لا يدركون فقه الحقائق، لأنّ حجب الغرور و الغفلة و الأماني الزائفة ختمت على قلوبهم.
و لكن، عند ما يصفع الأجل وجوههم و ترتفع تلك الحجب عن أعينهم، و حينما يجدون أنفسهم أمام الموت أو في عرصة يوم القيامة، هنالك سيدركون عظمة حجم غفلتهم و مدى خسرانهم، و كيف أنّهم قد ضيعوا أغلى ما كانوا يملكون! الآية التالية توضح محدودية اللذائذ الدنيوية لكي لا يظن أحد إنّما خالدة فتقول: وَ ما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَ لَها كِتابٌ مَعْلُومٌ ثمّ يقول تعالى: ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَ ما يَسْتَأْخِرُونَ.
فقد سرت سنّة الباري جل شأنه بأن يعطي المدّة الكافية لرجوع المضللين إلى بارئهم، من خلال ابتلائهم بالشدائد الصعبة تارة، و بفيوضات رحمة الرخاء
[١]- مكاتيب الرّسول، ج ١، ص ١١٢.