الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٠ - التّفسير
و قد جاء ما يشبه هذا المضمون في الآية (١٣١) من سورة طه حيث يقول جل و علا بتفصيل أكثر: وَ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَ رِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَ أَبْقى.
و الأمر الثّالث: جاء بخصوص ضرورة اللين و التواضع مع المؤمنين حيث يقول: وَ اخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ.
إنّ هذا التعبير، كناية جميلة عن التواضع و المحبّة و الملاطفة، فالطيور حينما تريد إظهار حنانها لفراخها تجعلها تحت أجنحتها بعد خفظها، فتجسّم بذلك أعلى صور العاطفة و الحنان و تحفظهم من الحوادث و الأعداء، و تحميهم من التشتت.
و التعبير المذكور عبارة عن كناية مختصرة بليغة ذات مغزى و معان كثيرة جدّا.
و يمكن أن يحمل ذكر هذه الجملة بعد الأوامر الثلاثة المتقدمة إشارة تحذير بعدم إظهار التواضع و الانكسار أمام الكفار المتنعمين بزهو الحياة الدنيا، بل لا بدّ للتواضع و الحب و العاطفة الفياضة لمن آمن و إن كان محروما من مال الدنيا.
و نصل إلى الأمر الرّابع: و قل لهؤلاء الكفرة المنعمين بكل حزم إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ.
قل: أنذركم من أمر اللّه بنزول عذابه عليكم كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ [١]، أي الذين قسّموا الآيات القرآنية أصنافا، فما كان ينفعهم أخذوه، و ما لا ينسجم و مشتهياتهم تركوه.
فبدل أن يتخذوا كتاب اللّه هاديا و قائدا لهم، جعلوه كآلة بأيديهم و وسيلة للوصول لأهدافهم الشريرة، فلو وجدوا فيه كلمة واحدة تنفعهم لتمسكوا بها، و لو وجدوا ألف كلمة لا تنسجم مع منافعهم الدنيوية لتركوها بأجمعها!!
[١]- عضين: (جمع عضة) أي التفريق، و يقال لكل جزء ممّا قسم عضين أيضا.