الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٦٠ - رابعا هل ثمّة تعارض بين الاعتدال في الإنفاق و الإيثار؟
و إسراف و هو يرفع صاحبه في الدنيا و يضعه في الآخرة، و يكرمه في الناس و يهينه عند اللّه».
و في الآيات التي بحثناها رأينا أن الإسلام بحيث كثيرا على عدم الإسراف و التبذير إلى درجة أنّه نهى عن الإسراف في ماء الوضوء حتى إذا كان ذلك قرب نهر جار، و حتى في نوى التمر. و عالم اليوم الذي بدأ يتحسّس الضائقة في بعض الموارد. أخذ يهتم بهذه الفكرة، حتى بات يستفيد من كلّ شيء، فهو مثلا يستفيد من فضولات المنازل في صنع السماد، و من ماء المجاري لسقي المزروعات، لأنّه أحسّ أنّ المصادر الطبيعية محدودة، لذا لا يمكن التفريط بها بسهولة، و إنّما ينبغي الاستفادة منها ضمن ما يعرف ب «دورة المصادر الطبيعية».
رابعا: هل ثمّة تعارض بين الاعتدال في الإنفاق و الإيثار؟
مع الأخذ- بنظر الإعتبار- الآيات أعلاه و التي تؤكّد ضرورة الاعتدال في الإنفاق، يثار سؤال مؤدّاه، إنّ في سورة الدهر مثلا، و آيات أخرى، و في مجموعة من الأحاديث و الرّوايات، ثمّة إشادة بالمؤثرين الذين يؤثرون غيرهم على أنفسهم في أحلك الساعات و أشدّ الظروف و يعطون ما يملكون للآخرين، فكيف يا ترى نوفّق بين هذين المفهومين؟
إنّ الدقة في سبب نزول هذه الآيات مع قرائن أخرى تفيدنا في الوقوف على جواب هذا السؤال، إذ يكون الأمر بمراعاة الاعتدال في المجالات التي يكون فيها العطاء و الهبات الكثيرة سببا لاضطراب الإنسان في حياته أو بمصطلح القرآن يصبح فيها مَلُوماً مَحْسُوراً و كذلك إذا كان الإيثار سببا في التضييق على أبنائه أو أنّه يهدّد تركيبة عائلته. و إذا لم يقع أي من هذين المحذورين، فإنّ الإيثار يعتبر أفضل السبل، نضيف إلى ذلك أنّ الاعتدال في الإنفاق يعتبر حكما عاما، بينما الإيثار يعتبر حكما خاصا يرتبط بمصاديق خاصّة، و ليس ثمّة تضاد بين الاثنين.