الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٥٩ - ثالثا الفرق بين الإسراف و التبذير
اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ.
و أخيرا تتحدث الآية (٩) من سورة الأنبياء عن مصيرهم: وَ أَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ.
و قد رأينا في الآية التي نبحثها أن اللّه تعالى جعل المسرفين إخوان الشياطين. و الإسراف بمعناه الواسع هو الخروج و تجاوز الحد في أي عمل يقوم به الإنسان، و لكنّها عادة تستخدم في المصروفات.
و من آيات القرآن نفسها نستفيد أنّ الإسراف هو في مقابل التقتير، بينما هناك طريق ثالث هو منزلة بين الأمرين، كما في الآية (٦٧) من سورة الفرقان: وَ الَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا وَ كانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً.
ثالثا: الفرق بين الإسراف و التبذير:
في الواقع لا يوجد هناك بحث واضح عند المفسّرين في التفاوت الموجود بين الإسراف و التبذير، و لكن عند التأمّل بأصل هذه الكلمات في اللغة، يتبيّن أنّ الإسراف هو الخروج عن حدّ الاعتدال، و لكن دون أن نسخر شيئا، فمثلا نلبس ثيابا ثمينا بحيث أنّ ثمنه يعادل أضعاف سعر الملبس الذي نحتاجه، أو أنّنا نأكل طعاما غاليا بحيث يمكننا إطعام عدد كبير من الفقراء بثمنه. كل هذه أمثلة على الإسراف، و هي تمثّل خروجنا عن حدّ الاعتدال، و لكن من دون أن نخسر شيئا.
أمّا كلمة «تبذير» فهي تعني الصرف الكثير، بحيث يؤدي إلى إتلاف الشيء و تضييعه، فمثلا نهيّئ طعام عشرة أشخاص لشخصين، كما يفعل ذلك بعض الجهلاء و يعتبرون ذلك فخرا، حيث يرمون الزائد في المزابل.
و لكن بالرغم من هذا التمييز، لا بدّ من القول بأنّ كثيرا ما تستخدم هاتين الكلمتين للتدليل على معنى واحد، و قد تتابعان في الجملة الواحدة لغرض التأكيد.
فالإمام علي في نهج البلاغة يقول: «ألا إنّ إعطاء المال في غير حقّه تبذير