الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٥٤ - رعاية الاعتدال في الإنفاق و الهبات
البعض بمعنى الوعد للمستقبل فإنّ ذلك أحد مصاديقها.
نقرأ في الرّوايات، أنّه بعد نزول هذه الآية، كان إذا جاء شخص محتاج إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و الرّسول لا يملك شيئا لإعطائه،
قال له صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «يرزقنا اللّه و إيّاكم من فضله» [١].
و قديما عند ما كان السائل يطرق الباب، و يطلب منّا شيئا لا نستطيع إعطاءه إيّاه، نقول له «العفو» و ذلك تأكيدا على أنّ لهذا السائل حق علينا يطالبنا به، و إذا كنّا لا نملك قضاء حاجته و إعطاءه حقّه، فإننا نطلب منه العفو.
الاعتدال هو شرط في كل الأمور بما فيها الإنفاق و المساعدة الآخرين، لذلك تنتقل الآية للقول: وَ لا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ. و هذا تعبير جميل يفيد أنّ الإنسان ينبغي أن يكون ذا يد مفتوحة، لا أن يكون مثل البخلاء و كأنّ أيديهم مغلولة إلى أعناقهم بخلا و خشية من الإنفاق. و لكن في نفس الوقت تقرّر الآية أنّ بسط اليد لا ينبغي أن يتجاوز الحد المقرر و المعقول في الصرف و البذل و العطاء، حتى لا ينتهي المصير إلى الملامة و الابتعاد عن الناس: وَ لا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً.
و «تقعد» مشقّة من «قعود» و هي كناية عن التوقف عن العمل. أمّا تعبير «ملوم» فهو يشير إلى أنّ عاقبة الإسراف لا تؤدي إلى توقف الإنسان عن عمله و نشاطه و حسب، و إنّما تؤدي إلى إيقاع لوم الناس عليه.
«محسور» مشتقّة من كلمة «حسر» و هي في الأصل تعني خلع الملابس رفع الثوب و إظهار بعض البدن من تحته، لذا يقال للمقابل الذي لم يلبس الخوذة و الدرع، بأنه «حاسر». و أيضا يقال للحيوان الذي يتعب من كثرة المشي بأنّه «حسير» أو «حاسر» بسبب استنفاذ طاقته و قدرته.
[١]- يراجع تفسير مجمع البيان، عند تفسير الآية.