الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٧٣ - ٢- نعمة وسائل المعرفة
و نشاهد تقديم ذكر السمع على البصر في الآية مع ما للعين من عمل أوسع من السمع، و لعل ذلك لسبق الأذن في العمل على العين بعد الولادة، حيث أنّ العين كانت في ظلام دامس (في رحم الأم) و نتيجة لشدّة أشعة النّور (بعد الولادة) فإنّها لا تستطيع العمل مباشرة بسبب حساسيتها، و إنّما تتدرج في اعتيادها على مواجهة النّور حتى تصل للحالة الطبيعية المعتادة، و لذا نجد الوليد في بداية أيّامه الأولى مغلق العين. أمّا بخصوص الأذن .. فثمة من يعتقد بأنّ لها القدرة على السماع (قليلا أو كثيرا) و هي في عالم الأجنّة و أنّها تسمع دقات قلب الأم و تعتاد عليها! أضف إلى ذلك أنّ الإنسان إنّما يرى بعينه الأشياء الحسيّة فقط، في حين أن الأذن تعتبر وسيلة للتربية و التعليم في جميع المجالات، فالإنسان يصل بواسطة سماع الكلمات إلى معرفة جميع الحقائق سواء ما كان منها في دائرة الحس أو ما كان خارجها، و ليس للعين هذه السعة، و صحيح أنّ الإنسان يمكنه تحصيل العلم بواسطة القراءة، إلّا أنّ القراءة ليست عامّة لكل الناس و سماع الكلمات أمر عام.
أمّا سبب ورود «السمع» بصيغة المفرد و «الأبصار» بصيغة الجمع، فقد بيّناه عند تفسيرنا للآية (٧) من سورة البقرة.
و ثمّة ملاحظة أخرى ينبغي ذكرها تتعلق بكلمة «الفؤاد»، فقد جاءت هنا بمعنى القلب (العقل) الذي يعيش حالة التوقد، و بعبارة أخرى: يعيش حالة التّفسير و التحليل و الابتكار.
يقول الراغب في مفرداته: (الفؤاد كالقلب، لكن يقال له فؤاد إذا اعتبر فيه معنى الفؤاد أي التوقد). و من المسلّم به أن هذا الموضوع يحصل للإنسان بعد حصوله على تجارب كافية.
و على أية حال، فآلات المعرفة و إن لم تنحصر بهذه الأجهزة الثلاث، إلّا أنّها أفضل الأجهزة جميعا، لأنّ علم الإنسان إمّا أن يكون عن طريق التجربة أو عند