الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١٩ - ٢- لما ذا شاع وأد البنات في الجاهلية؟
هكذا جريمة بشعة من غير أن تكون لها مقدمات اجتماعية و نفسية و اقتصادية عميقة الأثر و التأثير تدعوه لذلك ..
يقول المؤرخون: إنّ بداية وقوع هذا العمل القبيح كانت على أثر حرب جرت بين فريقين منهم في ذلك الوقت، فأسر الغالب منهم نساء و بنات المغلوب، و بعد مضي فترة من الزمن تمّ الصلح بينهم فأراد المغلوبون استرجاع أسراهم إلّا أنّ بعضا من الأسيرات ممن تزوجن من رجال القبيلة الغالبة اخترن البقاء مع الأعداء و رفضن الرجوع إلى قبيلتهن، فصعب الأمر على آبائهن بعد أن أصبحوا محلا للوم و الشماتة، حتى أقسم بعضهم أن يقتل كل بنت تولد له كي لا تقع مستقبلا أسيرة بيد الأعداء! و يلاحظ بوضوح ارتكاب أفظع جناية ترتكب تحت ذريعة الدفاع عن الشرف و الناموس و حيثية العائلة الكاذبة .. فكانت النتيجة: ظهور بدعة و أد البنات القبيحة و انتشارها بين جمع منهم حتى أصبحت سنّة جاهلية، و لفظاعتها فقد أنكرها القرآن الكريم بشدّة بقوله: وَ إِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ [١].
و ثمّة احتمال آخر يذهب إلى دور الطبيعة الإنتاجية للأولاد الذكور، و النزوع إلى الطبيعة الاستهلاكية عند الإناث، و ما له من أثر على الحياة الاجتماعية و الاقتصادية، فالولد الذكر بالنسبة لهم ذخر مهم ينفعهم في القتال و الغارات و في حفظ الماشية و ما شابه ذلك من الفوائد، في حين أنّ البنات لسن كذلك.
و من جانب آخر .. فقد سببت الحروب و النزاعات القبلية قتل الكثير من الرجال و الأولاد ممّا أدى لاختلال التوازن في نسبة الإناث إلى الذكور، حتى وصل وجود الولد الذكر عزيزا و دفع الرجل لأن يتباهى بين قومه حين يولد له مولود ذكرا، و ينزعج و يتألم عند ولادة البنت .. و وصل حالهم لحد (كما يقول عنه
[١]- سورة التكوير، ٩.