الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٥ - البلاغ المبين وظيفة الأنبياء
بديهي، أنّ الآية لا تشمل كل المنحرفين، لأنّ الشمول يتعارض مع وظيفة النّبي (هداية و تبليغ)، و للتاريخ شواهد كثيرة على ما لهداية الناس و إرشادهم من أثر بالغ، و كم أولئك الذين انتشلوا من و حل الضلال ليصبحوا من خلص أنصار الحق، بل و دعاته.
فعليه .. تكون الجملة المتقدمة خاصة بمجموعة معينة من الضالين الذين وصل بهم العناد و اللجاجة في الباطل لأقصى درجات الضلال، و أصبحوا غرقى في بحر الاستكبار و الغرور و الغفلة و المعصية فأغلقت أمامهم أبواب الهداية، فهؤلاء لا ينفع معهم محاولات النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لهديهم حتى و إن طالت المدّة لأنّهم قد انحرفوا عن الحق بسبب أعمالهم الى درجة أنّهم باتوا غير قابلين للهداية.
و من الطبيعي أن لا يكون لهكذا أناس من ناصرين و أعوان، لأنّ الناصر لا يتمكن من تقديم نصرته و عونه إلّا في أرضية مناسبة و مساعدة.
و هذا التعبير أيضا دليل على نفي الجبر، لأنّ الناصر إنّما ينفع سعيه فيما لو كان هناك تحرك من داخل الإنسان نحو الصلاح و الهداية فيعينه و يأخذ بيده- فتأمل.
و لعل استعمال «ناصرين» بصيغة الجمع للإشارة إلى أنّ المؤمنين على العكس من الضالين، لهم أكثر من ناصر، فاللّه تعالى ناصرهم و .. الأنبياء، و عباد اللّه الصالحين، و ملائكة الرحمة كذلك.
و يشير القرآن الكريم إلى هذه النصرة في الآية (٥١) من سورة المؤمن: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَ الَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ.
و كذلك في الآية (٣٠) من سورة فصلت: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَ لا تَحْزَنُوا وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ.