الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٣٠ - التّفسير
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ .. و في الآية الخامسة عشر من سورة غافر: يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ .. و في الآية و الثانية الخمسين من سورة الشورى: وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَ لَا الْإِيمانُ.
و جليّ أنّ «الرّوح» في الآيات المتقدمة ترمز إلى «القرآن» و «الوحي» و «أمر النّبوة».
و قد وردت «الرّوح» بمعاني أخر في مواضع من القرآن الكريم، و لكن مع الأخذ بنظر الإعتبار ما ذكر من قرائن نخلص إلى أنّ المراد من مفهوم «الروح» في الآية مورد البحث هو القرآن و ما تضمنه الوحي.
و جدير بالملاحظة أنّ عبارة عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لا تعني أن هداية الوحي و النّبوة لا حساب فيها، لأنّه لا انفصام و لا ضدية بين مشيئة اللّه و حكمته، كما تحدثنا في ذلك الآية (١٢٤) من سورة الأنعام: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ.
و لا ينبغي غض الطرف من كون الإنذار من أوائل الأوامر الربانية الموجهة إلى الأنبياء عليهم السّلام بدليل عبارة أَنْ أَنْذِرُوا، لأنّ من طبيعة الإنذار أن يعقبه انتباه فنهوض و حركة.
صحيح أنّ الإنسان طالب للمنفعة و دافع للضرر، و لكنّ التجربة أظهرت أنّ للترغيب أثر بالغ لمن يمتلك أسس و شرائط قبول الهداية، أما من أعمت بصيرتهم ملهيات الحياة الدنيا فلا ينفع معهم إلّا التهديد و الوعيد، و في بداية دعوة النّبي كان من الضروري استخدام أسلوب الإنذار الشديد.