حكم النبى الأعظم - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ٤٥٨ - الفصل الثالث حوار النبي مع أهل خمسة أديان
ثُمَّ قالَ رَسولُ اللّهِ صلى اللّه عليه و آله: وأمّا قَولُكَ:" لَن نُؤمِنَ لَكَ حَتّى تَفجُرَ لَنا مِن الأَرضِ يَنبوعا" إلى آخِرِ ما قُلتَهُ، فَإِنَّكَ [قَدِ] اقتَرَحتَ عَلى مُحَمَّدٍ رَسولِ اللّهِ صلى اللّه عليه و آله أشياءَ:
مِنها ما لَو جاءَكَ بِهِ لَم يَكُن بُرهانا لِنُبُوَّتِهِ، ورَسولُ اللّهِ صلى اللّه عليه و آله يَرتَفِعُ عَن أن يَغتَنِمَ جَهلَ الجاهِلينَ، ويَحتَجَّ عَلَيهِم بِما لاحُجَّةَ فيهِ.
ومِنها ما لَو جاءَكَ بِهِ كانَ مَعَهُ هَلاكُكَ، وإنَّما يُؤتى بِالحُجَجِ وَالبَراهينِ لِيَلزَمَ عِبادَ اللّهِ الإِيمانُ بِها لا لِيَهلَكوا بِها، فَإِنَّمَا اقتَرَحتَ هَلاكَكَ، ورَبُّ العالَمينَ أرحَمُ بِعِبادِهِ، وأعلَمُ بِمَصالِحِهِم من أن يُهلِكَهُم كَما يَقتَرِحونَ.
ومِنهَا المُحالُ الَّذي لا يَصِحُّ ولا يَجوزُ كَونُهُ ورَسولُ رَبِّ العالَمينَ يُعَرِّفُكَ ذلِكَ، ويَقطَعُ مَعاذيرَكَ، ويُضَيِّقُ عَلَيكَ سَبيلَ مُخالَفَتِهِ، ويُلجِئُكَ بِحُجَجِ اللّهِ إلى تَصديقِهِ حَتّى لا يكونَ لَكَ عَنهُ مَحيدٌ ولا مَحيصٌ.
ومِنها ما قَدِ اعتَرَفتَ عَلى نَفسِكَ أنَّكَ فيهِ مُعانِدٌ مُتَمَرِّدٌ، لاتَقبَلُ حُجَّةً ولا تُصغي إلى بُرهانٍ، ومَن كانَ كَذلِكَ فَدَواؤُهُ عَذابُ اللّهِ النّازِلُ مِن سَمائِهِ، أو في جَحيمِهِ، أو بِسُيوفِ أولِيائِهِ.
فَأَمّا قَولُكَ يا عَبدَاللّهِ:" لَن نُؤمِنَ لَكَ حَتّى تَفجُرَ لَنا مِنَ الأَرضِ يَنبوعا بِمَكَّةَ هذِهِ، فَإِنَّها ذاتُ أحجارٍ وصُخورٍ وجِبالٍ، تَكسَحُ أرضَها وتَحفِرُها، وتَجري فيهَا العُيونَ، فَإِنَّنا إلى ذلِكَ مُحتاجونَ". فَإِنَّكَ سَأَلتَ هذا وأنتَ جاهِلٌ بِدَلائِلِ اللّهِ تَعالى.
يا عَبدَاللّهِ! أرَأَيتَ لَو فَعَلتُ هذا، أكُنتُ مِن أجلِ هذا نَبِيّا؟ قالَ: لا.
قالَ رَسولُ اللّهِ: أرَأَيتَ الطّائِفَ الَّتي لَكَ فيها بَساتينُ؟ أما كانَ هُناكَ مَواضِعَ فاسِدَةً صَعبَةً أصلَحتَها وذَلَّلتَها وكَسَحتَها وأجرَيتَ فيها عُيونا استَنبَطتَها؟ قالَ: بَلى. قالَ: وهَل لَكَ في هذا نُظَراءُ؟
قالَ: بَلى.
قالَ: أفَصِرتَ بِذلِكَ أنتَ وهُم أنبِياءَ؟