وضوء النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٤٠٢ - مذهب الإمام مالك
طلب المنصور من مالك توحيد الفقه لكان الوقت أهم ما يراد اختزاله و عدم التفريط به، إذ كان بإمكان المنصور جمع عدد كبير من الفقهاء لتعيين دستور فقهيّ موحّد للدولة بأسرع وقت، لا أن يستغرق مالك عشر سنين أو أكثر لتدوين كتاب واحد، و الناس أحوج ما يكونون إليه.
فقد بدأ مالك بتأليف الموطّأ سنة ١٤٨ ه و انتهى منه سنة ١٥٩ ه، فلا يعقل أن يتعطّل قضاء أكبر دولة و يبقى مختلّا كلّ هذه المدّة المديدة.
ثالثها: هو ما يوصلنا إليه البحث الموضوعيّ، و يعضده ما نعرف من دهاء المنصور و مسلكه في التضليل، و هو: انّ المنصور خاف من انتشار مذهب أهل البيت بعد أن اجتمع بباب جعفر بن محمّد الصادق نحو أربعة آلاف راو يأخذون عنه العلم، فخشي المنصور من ميل الناس إليه، خصوصا و أنّ آراءه و أفكاره ممّا يرتضيه المنطق و العقل و تستند إلى التقوى و الورع، و تؤكّد على عدم التعاون مع الحكّام، بل رفض كلّ مبرع فاسد، و تدعو إلى العدل و الصلاح.
و أنّ ذلك ممّا حدا بالحكّام أن يرجّحوا كفّة أبي حنيفة و مالك و يتّخذوهما أئمّة دون غيرهم من الفقهاء و يؤكّدوا على الأخذ برأيهم، و اعتزال مذهب الصادق و الباقر من أهل البيت، لأنّ تقوية مدرسة أهل البيت يشكّل خطرا على الدولة و يخرج الأمر من يد الحكّام، إذ عرفوا أنّ حبس الصادق أو قتله لا يجدي نفعا بعد شيوع فقهه في الناس، فرأوا محاربة الفكر بالفكر و الفقه بالفقه هي الخطوة الناجحة، و بالفعل حقّقت هذه العمليّة أهدافها بعد حين، خصوصا مع ما عرف عن عامّة الناس بأنّهم على دين ملوكهم! و لا يسعني هنا إلّا أن أنقل كلاما للدهلويّ في حجّة اللّٰه البالغة، مضمونه: إنّ أبا يوسف و محمّد بن الحسن صارا يكبّران في العيدين تكبير ابن عبّاس، لأنّ هارون الرشيد كان يحبّ تكبيرة جدّه [١]! و قد ذكر الشاطبيّ- في القسم الخامس من الموافقات (كتاب الاجتهاد)- ما صار إليه كثير من مقلدة الفقهاء بحيث صار أحدهم يفتي قريبه أو صديقه بما لا
[١] الإمام الصادق و المذاهب الأربعة ٢: ١٦٦، عن حجّة اللّٰه البالغة ١: ١٥٨.