وضوء النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٤١٢ - الوضوء الثلاثيّ الغسليّ في العصر العبّاسيّ
المذاهب فيه رواية و فتوى، ثمّ مقابلتها بآراء أئمّة مذهب التعبّد المحض (مذهب أهل البيت)، و تشخيص امتداد موارد الخلاف التي حدثت في عهد عثمان، و ما أضيف إليها من جزئيّات و فروع في العصور اللاحقة.
إنّ التثليث في غسل الأعضاء و غسل الأرجل كان المدار الأوّل للاختلاف بين المسلمين في عهد عثمان، لكنّا نراه يتطوّر، فنرى ابن عمر يغسل رجليه سبع مرّات و يعتبر الوضوء هو الإنقاء.
و يروى عن معاوية أنّه توضّأ للناس، فلمّا بلغ رأسه غرف غرفة من ماء فتلقّاها بشماله حتّى وضعها على وسط رأسه حتّى قطر الماء أو كاد يقطر، ثمّ مسح من مقدّمه إلى مؤخّره و من مؤخّرة إلى مقدّمه [١].
أمّا مدرسة التعبّد المحض فلم ترتض هذا التغيير في الوضوء، لأنّها تعتبر الوضوء من الأمور التوقيفيّة التعبّديّة التي يجب فيها الرجوع إلى الشرع، و أنّ الوضوء لم يكن عندهم هو الإنقاء حسب قول ابن عمر، بل هو إتيان ما أمر به اللّٰه، و نزل به القرآن، و أكّد عليه الرسول. و قد وقفت سابقا على كلام أنس بن مالك مع الحجّاج و قوله: (نزل القرآن بالمسح)، و كلام ابن عبّاس مع الربيع (أبى الناس إلّا الغسل و لا أجد في القرآن إلّا المسح) و غيرهم.
و تأكيد الجميع على لزوم اتّباع ما نزل به الوحي و أتى به رسول اللّٰه على نحو السنّة.
أمّا ما رواه ابن عمر عن رسول اللّٰه أنّه (ص) قال لمّا أتى بالغسل الثالث (هذا وضوئي و وضوء الأنبياء من قبلي) فليس فيه دلالة على كون الفعل قد جيء به على نحو السنّة، بل هو أدلّ على عدم مشروعيّة هذا الفعل للناس و اختصاصه به (ص)، لإتيانه به بعد الثاني الذي هو فضل و قوله (ص) عنه: «يعطى عليه كفلين» أو «يؤجر عليه مرّتين»، و هو معنى آخر للسنّة، و تصريحه (ص) في الغسل الثالث: بقوله «هذا وضوئي و وضوء الأنبياء من قبلي» لتدلّ على أنّها من مختصّاته، إذ لا معنى لفضل بعد فضل!! و عليه فإنّ هذا الحديث لنفي التثليث
[١] سنن أبي داود ١: ٣١- ١٢٤.