وضوء النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٣٨٣ - رأي آخر
و اجلس بعيدا منها في أوّل السكّة، فإنّه سيقبل عليك عند المغرب كهل طويل مسنون الوجه قد أثّر السجود في جبهته، عليه جبّة صوف، يستقي الماء على جمل [و قد انصرف يسوق الجمل] لا يضع قدما و لا يرفعها إلّا ذكر اللّٰه عزّ و جلّ و دموعه تنحدر، فقم و سلّم عليه و عانقه، فإنّه سيذعر منك كما يذعر الوحش، فعرّفه نفسك و انتسب له، فإنّه يسكن إليك و يحدّثك طويلا، و يسألك عنّا جميعا و يخبرك بشأنه و لا يضجر بجلوسك معه، و لا تطل عليه و ودّعه، فإنّه سوف يستعفيك من العودة إليه، فافعل ما يأمرك به من ذلك. فإنّك إن عدت إليه توارى عنك، و استوحش منك و انتقل عن موضعه، و عليه في ذلك مشقّة!! فقلت: أفعل كما أمرتني، ثمّ جهّزني إلى الكوفة و ودّعته و خرجت، فلمّا و ردت الكوفة قصدت سكّة بني حيّ بعد العصر، فجلست خارجها بعد أن تعرّفت الباب الذي نعته لي، فلمّا غربت الشمس إذا أنا به قد أقبل يسوق الجمل، و هو كما وصف لي أبي: لا يرفع قدما و لا يضعها إلّا حرّك شفتيه بذكر اللّٰه، و دموعه ترقرق في عينيه و تذرف أحيانا، فقمت فعانقته، فذعر منّي كما يذعر الوحش من الإنس. فقلت: يا عمّ، أنا يحيى بن الحسين بن زيد ابن أخيك، فضمّني إليه و بكى حتّى قلت قد جاءت نفسه! ثمّ أناخ جمله و جلس معي فجعل يسألني عن أهله رجلا رجلا، و امرأة امرأة، و صبيّا صبيّا، و أنا أشرح له أخبارهم و هو يبكي، ثمّ قال:
يا بني أنا أستقي على هذا الجمل الماء، فأصرف ما أكتسب- يعني من أجرة الجمل إلى صاحبه و أتقوّت باقية، و ربّما عاقني عائق عن استقاء الماء فأخرج إلى البريّة- يعني بظهر الكوفة- فألتقط ما يرمي الناس به من البقول فأتقوّته! و قد تزوّجت إلى هذا الرجل ابنته و هو لا يعلم من أنا إلى وقتي هذا! فولدت منّي بنتا، فنشأت و بلغت و هي أيضا لا تعرفني و لا تدري من أنا، فقالت لي أمّها:
زوّج ابنتك بابن فلان السقّاء- لرجل من جيراننا يسقي الماء- فإنّه أيسر منّا و قد خطبها، و ألحّت عليّ، فلم أقدر على إخبارها بأنّ ذلك غير جائز، و لا هو بكفء لها، فيشيع خبري فجعلت تلحّ عليّ فلم أزل أستكفي اللّٰه أمرها حتّى ماتت بعد أيّام، فما أجدني آسى على شيء من الدنيا أسئي على أنّها ماتت و لم تعلم