وضوء النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٣٧٣ - إلصاق التهم و بثّ الغلاة في صفوف العلويّين
و نحن نرى أنّ الإمام مالكا كان يعيش في خوفين:
الأوّل: خوف من السلطة و كيف إذا خرج عن طاعة السلطان و دخل في الفتنة.
الثاني: خوف من قيام الدولة العلويّة و الإطاحة بالحكم العبّاسيّ لأنّه قد رأى بوادر الانتصار تلوح فمال إلى التعاون مع العلويّين لكي لا يلاقي مشكلة معهم في المستقبل.
و قد نقل ابن قتيبة أنّ أحد العلويين قدم على مالك يعرض عليه ما نالهم من أذى و اضطهاد، فقال مالك: اصبر حتّى يجيء تأويل هذه الآية وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوٰارِثِينَ [١] مشيرا بذلك إلى ظهور بوادر الانتصار، و إلى انّ هذه الدولة ظالمة و انّ تعاونه معها إنّما كان عن إكراه.
هذا و انّ المنصور لمّا أطاح بالنفس الزكيّة و أخيه إبراهيم و استقرّ الأمر له. أمر ولاته بالتنكيل بالعلويين. و من أولئك الولاة جعفر بن سليمان- و إليه على المدينة- فقد ضرب مالكا في سنة ١٤٦ بالسياط لتعاونه مع العلويين و لإفتائه: (ليس على مكره يمين) لأنّه ينطوي على تأييد تلويحي للحركة العلويّة، و انّه لا حنث على من خلع المنصور بعد البيعة.
ثمّ انّ المنصور أراد أن يرغّب الإمام مالكا بعد أن أرهبه، فلمّا جاء إلى الحجاز حاجّا، أرسل إلى مالك يدعوه ليعتذر إليه. و مالك ينقل لنا الخبر:
لمّا دخلت على أبي جعفر، قال لي: و اللّٰه الذي لا إله إلّا هو، ما أمرت بالذي كان و لا علمته! انّه لا يزال أهل الحرمين بخير ما كنت بين أظهرهم، و انّي أخالك أمانا لهم من عذاب، و لقد رفع اللّٰه بك عنهم سطوة عظيمة، فإنّهم أسرع الناس إلى الفتن. و لقد أمرت بعدو اللّٰه أن يؤتى به- أي الوالي- على قتب و أمرت بتضييق محبسة و الاستبلاغ في امتهانه، و لا بدّ أن أنزل به العقوبة أضعاف ما نالك منه.
فقلت: عافى اللّٰه أمير المؤمنين و أكرم مثواه، فقد عفوت عنه لقرابته من رسول اللّٰه
[١] انظر: جهاد الشيعة: ص ٢٢٥.