وضوء النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٤٤٨ - محمّد بن جرير بن يزيد الطبريّ و الوضوء
لما ذا؟ أ لقوله بالمسح الذي لم يقل به أصحاب المذاهب الأربعة؟! أم لكتابته عن حديث الغدير [١]- في أواخر عمره- و هو ما لا يرضي السلطان كذلك؟ أم لشيء آخر؟
و على ضوء ما تقدّم عرفت أنّ المصالح السياسيّة للسلطان كانت وراء تدوين ما يرتضيه و حذف ما لا يرتضيه، و انّ تأصيل المذاهب و القول بمشروعيّة رأي الجميع و ما يقاربها من آراء كانت دعوة حكوميّة ظهرت سماتها في الفقه و الحديث. و متى أراد الباحث الوقوف على المزيد منها أمكنه الوقوف عليها من خلال استطلاع إجمالي لكتب الفقه و التاريخ.
علما بأنّ دور السياسة لم يقتصر على تدوين الفقه و الحديث، بل انّ دورها في تدوين التاريخ و لغة العرب ليس بأقلّ ممّا مضى. و الباحثون يعرفون هذه الحقيقة. و نحن نعرض هنا عن بيانها و إن الآراء صارت تتشعّب في لغة العرب نظرا للظروف السياسيّة و الاجتماعيّة الحاكمة آن ذاك، و خوفا من الإطالة و الخروج عن البحث، نكتفي بنقل بعض النصوص عن مشاهير الأعلام و دور السياسة في الفقه و تأصيل المذاهب.
١- قال الأستاذ جمال الدين الأفغانيّ:
بأيّ نصّ سدّ باب الاجتهاد، أو أيّ إمام قال: لا ينبغي لأحد من المسلمين بعدي أن يهتدي بهدى القرآن و صحيح الحديث، أو أن يجدّ و يجتهد بتوسيع مفهومه و الاستنتاج على ما ينطبق على العلوم العصريّة و حاجيات الزمان و أحكامه، و لا ينافي جوهر النصّ. إنّ اللّٰه بعث محمّدا رسولا بلسان قومه العربيّ ليعلّمهم ما يريد إفهامهم، و ليفهموا منه ما يقوله لهم.
و لا ارتياب بأنّه لو فسح في أجل أبي حنيفة و مالك و الشافعيّ و أحمد
[١] قال الذهبيّ في تذكرة الحفّاظ ٢: ٧١٣: رأيت مجلّدا من طرق هذا الحديث لابن جرير، فاندهشت له و لكثرة تلك الطرق. و قال ابن كثير في البداية و النهاية ١١: ١٤٦ (و قد اعتنى بأمر هذا الحديث أبو جعفر محمّد بن جرير الطبريّ صاحب التفسير و التاريخ فجمع فيه مجلّدين أورد فيهما طرقه و ألفاظه).