وضوء النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٤٥١ - محمّد بن جرير بن يزيد الطبريّ و الوضوء
كلّ حين. و أيّ مذهب كان أصحابه خاملين و لم يولوا القضاء و الإفتاء و لم يرغب فيهم الناس اندرس بعد حين [١].
فمدرسة أهل البيت لم تكن كغيرها من المذاهب الحكوميّة بل كانت لها سماتها الخاصّة، و عرفت باستقلالها الفكريّ و عدم خضوعها لنظام السلطة، بل في رؤاها تضادّ مع خلفاء الجور و لا تسمح «لأولي الأمر!» أن يتدخّلوا في شئونها و توجيه فكرها بل إنّ أهل البيت دعوا شيعتهم للابتعاد عن الخلفاء و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر. و انّ بقاء مذهب كهذا رغم كلّ هذه الملابسات يرجع إلى قوّته الروحيّة و ملكاته الربّانيّة، و انّ أمر انتشار غيره من المذاهب لم يكن مثله، و قد قرأت عن تلك المذاهب و انّها ترجع إلى المقوّمات الجانبيّة فيها كتولّيهم للقضاء. و قد رأينا انّ هذه المذاهب نفسها تختلف شدّة و ضعفا لما أنيط بأصحابها من القضاء و الإفتاء، فالمذهب الحنفيّ يقوى عند ما يكون أبو يوسف وجيها في الدولة مقبولا عند الخلفاء. و هكذا الأمر بالنسبة إلى الآخرين في العهود الأخرى.
أمّا انتشار مذهب جعفر بن محمّد الصادق و بقاؤه لحدّ هذا اليوم رغم مخالفة الحكّام فيرجع إلى ملكاته الروحيّة و مقوّماته الذاتيّة، و لا ينكر ذلك أحد.
فأهل البيت و شيعتهم منصورون بالحجج و البراهين التي بأيديهم لا يضرّهم من خالفهم و خذلهم، و يطبق عليه ما رواه الحفّاظ عن النبيّ أنّه قال: «لا تزال طائفة من أمّتي منصورين قائمين بالحقّ لا يضرّهم من خالفهم و خذلهم» [٢].
و جاء في كتاب (الفقيه و المتفقّه): (.. لن تزال أمّة من أمّتي على الحقّ ظاهرين على الناس لا يبالون من خالفهم و لا من ناوأهم حتّى يأتي أمر اللّٰه و هم ظاهرون) [٣].
[١] الإمام الصادق و المذاهب الأربعة ٢: ١١، عن الحجّة البالغة للدهلويّ ١: ١٥١.
[٢] انظر: صحيح مسلم ٣: ١٥٢٣- ١٧٠، ١٧٤، و صحيح البخاريّ ٩: ١٢٤- ١٢٥، سنن ابن ماجة ١: ٤، ٥- ٦، ٩، ١٠.
[٣] الفقيه و المتفقّه، للخطيب البغداديّ ١: ٥- ٦.