وضوء النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٢٥٢ - نصيحة و موعظة
قلت: من أهل العراق.
قال: يوشك أن يأتيك بقطعان الشام [أي خدمهم و عمّال الزكاة] فيأخذوا صدقتك، فإذا أتوك فتلقّهم بها. فإذا دخلوها، فكن في أقاصيها، و خلّ عنهم عنها، و إيّاك أن تشتمهم، فإنّك إن سببتهم ذهب أجرك، و أخذوا صدقتك، و إن صبرت.
جاءت في ميزان عملك يوم القيامة [١].
و في كتاب الأموال لأبي عبيد: انّ رجلا جاء الى أبي هريرة فقال: أ أخبّئ منهم كريمة مالي؟
قال: لا، إذا أتوكم فلا تعصوهم، و إذا أدبروا فلا تسبّوهم، فتكون عاصيا خفّف عن ظالم، و لكن قل: هذا مالي، و هذا الحقّ فخذ الحقّ و ذر الباطل، فإن أخذه فذلك، و إن تعداه الى غيره جمعا لك في الميزان يوم القيامة [٢].
نعم، قد طرح الحكّام هذه الرؤى لئلا يقف أحد أمام تصرّفاتهم، لترك ما للّٰه للّٰه و ما لقيصر لقيصر، و لتخدير الأمّة، و ترويضها على الابتعاد عن التدخّل في أجواء الحكم و الحاكم، و الاكتفاء بالخروج إلى الصلاة أيّام الجمع، لتجريدهم من روح النصيحة، و جعلهم أناسا بلا مسئوليّة، حتّى لا يقف أحدهم أمام نهبهم لبيت مال المسلمين، و لكي يطمئنّ الحكّام و يصفو لهم الجوّ في تعدّيهم حدود اللّٰه و هم منغمسون في حياة اللهو و المجون في لياليهم الحمراء بين الغواني و القيان في قصورهم الباذخة.
و الأدهى من كلّ ما تقدّم أن تصير ميتة الخارج على أمثال هؤلاء- في حساب دينهم- ميتة جاهليّة!! هذا و قد وضع الكذبة الكثير من الأحاديث تقرّبا للسلطان، فجاء عن المهديّ العبّاسيّ أنّ غياث بن إبراهيم دخل عليه يوما و حدّثه بحديث عن أبي هريرة:
[١] الشعر و الشعراء، لابن قتيبة: ٣٩٢.
[٢] كتاب الأموال: ٤١٢.