وضوء النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٥٦ - من هو البادئ بالخلاف؟
الشدّة و الصرامة التي مارسها عثمان ضدّ كبار الصحابة و فقهائهم و عبّادهم و زهّادهم و متّقيهم، إنّما جاءت لكونهم خالفوه في قضيّة قراءة القرآن- كما لوحظ في قضيّة ابن مسعود و كسر أضلاعه-، أو في كيفيّة توزيع الأموال و الفيء- كما هو المشاهد مع أبي ذرّ و غيره-، أو لأنّ أحدهم خالف فتوى كعب الأحبار الموافقة لرأي الخليفة- كما جاء في ردّ أبي ذرّ لكعب و قوله له: يا ابن اليهوديّة ما أنت و ما .. [١]-، أو لأنّ أحدهم لا يرى فضلا لبني العاص، ناهيك عمّن ينال منهم أو يروى حديثا ضدّهم. و ما إلى ذلك الكثير.
و بعد هذا. لا نجد أحدا يشكّ بسياسة العنف التي مارسها عثمان ضدّ عظماء الصحابة و فضلائهم دفاعا عن آرائه، فإذ ثبت ذلك. نتساءل:
لما ذا لا نرى أيّة بادرة عنف من الخليفة تجاه مخالفيه في مسألة الوضوء، على الرغم من ادّعائه أنّ وضوءه هو وضوء رسول اللّٰه (ص)؟! فلو صحّ. للزم أن يكون وضوء المسلمين هو وضوء الخليفة، و بذلك لاندحر الناس بوضوئهم، و لكفى المسلمون الخليفة مئونة الصراع معهم، و لما تكلّف ما تكلّف.
و يزيد الاستنتاج وضوحا ما نقل عن الخليفة من مراقبته لجزئيّات الوضع- فضلا عن كلّيّاته- و معاقبة الظالمين و المنحرفين. و من ذلك، أنّه:
كان أوّل منكر ظهر بالمدينة حين غصّت الدنيا بطيران الحمام و الرمي على الجلاهقات- و هي قوس البندق- و استعمل عليها عثمان رجلا من بني ليث سنة ثمان من خلافته، فقصّ الطيور و كسر الجلاهقات [٢].
و ذات مرّة. استخفّ رجل بالعبّاس بن عبد المطّلب، فضربه عثمان،
[١] انظر: تاريخ الطبريّ ٤: ٢٨٤، الكامل في التاريخ ٣: ١١٥، و شرح النهج لابن أبي الحديد ٣: ٥٤.
[٢] تاريخ الطبريّ ٤: ٣٩٨، الكامل في التاريخ ٣: ١٨١، البداية و النهاية ٧: ٢٢٤، المنتظم ٤: ٣٣٨.