وضوء النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٣٥٩ - سياسة الترهيب و الترغيب تجاه الفقهاء
مات أبو جعفر ١٥٨ ظنّ الثوريّ انّ الخلاف الذي بينه و بين الحكومة قد دفن معه، و كان قد عاش الشدّة حين اختفائه بمكّة، فجاء إلى المهديّ و سلّم عليه تسليم العامّة.
فقال له المهديّ: يا سفيان، تفرّ منّا هاهنا و هاهنا، و تظنّ انّا لو أردناك بسوء لم نقدر عليك، فقد قدرنا عليك الآن، إنّما تخشى أن نحكم فيك بهوانا؟
قال سفيان: إن تحكم فيّ بحكم، يحكم فيك ملك قادر يفرّق بين الحقّ و الباطل.
فقال الربيع للمهديّ- و كان قائما على رأس سفيان-: أ لهذا الجاهل أن يستقبلك بمثل هذا؟ ائذن لي أن أضرب عنقه.
فقال له المهديّ: اسكت ويلك! و هل يريد هذا و أمثاله إلّا أن نقتلهم فنشقى بشقاوتهم، اكتبوا عهده على قضاء الكوفة على أن لا يعترض عليه في حكم [١].
فالحكّام و بتولية الفقهاء القضاء كانوا يريدون القضاء على شخصيّتهم، و ما نقلناه كان خير شاهد على ذلك.
فقد نقل المباركفوري في تحفة الأحوذيّ عن شعيب بن جرير انّه طلب من سفيان الثوريّ أن يحدّثه بحديث السنّة، فقال: اكتب بسم اللّٰه الرحمن الرحيم:
القرآن كلام غير مخلوق ..
إلى أن يقول: يا شعيب لا ينفعك ما كتب حتّى ترى المسح على الخفّين، و حتّى انّ إخفاء بسم اللّٰه الرحمن الرحيم أفضل من الجهر، و حتّى تؤمن بالقدر، و حتّى ترى الصلاة خلف كلّ برّ و فاجر، و الجهاد ما مضى إلى يوم القيامة، و الصبر تحت لواء السلطان جائرا أو عادلا.
فقلت: يا أبا عبد اللّٰه، الصلاة كلّها؟
قال: لا، و لكنّ صلاة الجمعة و العيدين، صلّ خلف من أدركت، أمّا سائر ذلك فأنت مخيّر لا تصلّي إلّا من تثق به و تعلم انّه من أهل السنّة [٢].
[١] تاريخ بغداد ٩: ١٥٢- ١٥٣، مقدّمة تفسير سفيان الثوريّ- ١٤٠٣ طبعة دار الكتب العلميّة- بيروت.
[٢] تحفة الأحوذيّ: ص ٣٥٢ (المقدّمة).