وضوء النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٢٨ - توطئة
الإطار المقيّد إلى عالم أرحب، إذ أنّ النظرة الضيّقة و عدم الانفتاح يوصدان أبواب التفاهم و تلاقح الأفكار، و بالنتيجة تحرمنا من قطف ثمار الاتصال بالآخرين و الحوار معهم.
و الآن بين أيدينا أمر عبادي مهم سنسلّط الضوء عليه ليتّضح لنا مدى عمق جذور الاختلاف و ماهيّته في مصداق واحد، و من خلاله ربّما تظهر ملامح صورة الاختلاف: و هي دراسة عن كيفيّة (وضوء النبيّ (ص)).
فكيف وقع الخلاف بين المسلمين في هذا الأمر المهم؟! و لم اختلف في مثل الوضوء، ذلك الفعل الذي كان يؤدّيه النبيّ (ص) لعدّة مرّات في اليوم على مدى ثلاث و عشرين سنة، بمرأى من المسلمين.
الوضوء الذي أكّد عليه النبيّ و جعله شرطا للصلاة التي هي عمود الدين، فقال: ( (لا صلاة إلّا بطهور)) [١]، و قال أيضا: ( (الوضوء شطر الإيمان)) [٢]؟! إذن فالوضوء أمر عباديّ، مارسه الرسول بمحضر المسلمين ثمّ اتبعوه بعد التعلّم العمليّ و البيان القوليّ منه، و هو لم يكن بالأمر الخفيّ، و لا بالتشريع المؤقّت المختصّ بفترة زمنيّة دون أخرى، حتّى تطمس معالمه، أو تخفى ملامحه بحيث يصل الحال إلى الاختلاف فيه.
فإن كان الأمر كذلك، فما هي دواعي الاختلاف فيه؟ و ما هي حقيقة البيان النبويّ الشريف لهذه المسألة المهمّة؟
للإجابة عن هذين السؤالين و غيرهما، نقول: لا بدّ من تنقيح البحث بشكل دقيق يخضع للمنهج العلميّ الحديث، و إخضاع جميع ما ورد بهذا الشأن للدقّة و التمحيص، و هذا ما سنحاول القيام به في دراستنا للكشف عن أمور غامضة
[١] سنن أبي داود ١: ١٦- ٥٩، سنن ابن ماجة ١: ١٠٠- ٢٧١- ٢٧٤، صحيح مسلم ١: ٢٠٤ ب ٢، مسند الإمام زيد: ٦٨.
[٢] كنز العمّال ٩: ٢٨٨- ٢٦٠٤٤، و ص ٣١٦- ٢٦٢٠٠، و في صحيح مسلم ١: ٢٠٣- ١، و مسند أحمد ٤: ٢٦٠ بتفاوت يسير.