وضوء النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٥٣ - من هو البادئ بالخلاف؟
الرواة المكثرون- بدافع الحرص على الدين- لتبيان وضوء النبيّ، كما فعلوا ذلك من قبل مع مانعي الزكاة. و لأسقطوا به التكليف عن الخليفة في مواجهتهم.
فقد وردت روايات كثيرة عن كبار الصحابة في ذكر عقوبة مانع الزكاة و حرمة منعه، منهم: عليّ بن أبي طالب، أبو هريرة الدوسيّ، عبد اللّٰه بن مسعود، جابر بن عبد اللّٰه الأنصاريّ، أبو ذرّ الغفاريّ، أنس بن مالك، و غيرهم من مشاهير الصحابة. و هي الحالة الطبيعيّة المتّبعة في جميع الديانات و المذاهب على مرّ العصور، و سارت عليها سيرة المسلمين في شتّى مجالات الدين، و بالخصوص في أبواب الفقه و مسائله الشرعيّة، فلما ذا نجد شذوذا عن هذه القاعدة المتعارف عليها هنا؟. أ لا تجعلنا نتّخذ موقف الشكّ و الريبة و عدم الاطمئنان بمرويّات الخليفة و أنصاره و تدعونا بدافع الحرص و الأمانة للوصول إلى حقيقة الحال.
فنقول: لو كان غيره البادئ بالخلاف، لكان بوسع الخليفة بما له من قوّة تشريعيّة و تنفيذيّة أن يحسم النزاع بأحد طرق ثلاث:
الأولى: استعمال أسلوب الردع الحاسم.
فقد ثبت بين المسلمين أنّ من حقّ الإمام: ردع المخالفين، و تأديب الخاطئين، و تعزير المنحرفين بما يراه صلاحا في الدنيا و الدين.
الثانية: طلب النصرة.
بأن يستنصر المسلمين استنصارا عامّا ليقضي على ما أدخله أولئك في الدين، و إعلان ذلك على منبر النبوّة، كما فعل ذلك أبو بكر بأهل الردّة و مدّعي النبوّة، و أن لا يختصّ بجماعات صغيرة في الإشهاد، أي يلزم على الخليفة الاستفادة من الفهم العرفي العام عند المسلمين لنبذ البدعة.
الثالثة: المطالبة بالدليل (المحاجّة).
بأن يطالب الخليفة «الناس» بأدلّتهم، ليبيّن بذلك زيف ادّعائهم، لأنّها- على فرض كونها بدعة- سيعوزها الدليل و يقف الجميع على عدم صلتها بالدين و بعدها عن جذور الشريعة، و بذلك سوف يعيا أربابها أمام ما يدّعيه المسلمون