وضوء النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٨
و أما قوله: «إنّ الميت يعذّب ببكاء الحي» فلم يكن الحديث على هذا، و لكن رسول اللّٰه (ص) مرّ بدار رجل من اليهود، قد مات، و أهله يبكون عليه، فقال: «إنهم يبكون عليه و إنه ليعذّب». و اللّٰه يقول لٰا يُكَلِّفُ اللّٰهُ نَفْساً إِلّٰا وُسْعَهٰا [١].
كما أنّ عائشة قد نقدت أبا هريرة لما رواه عنه (ص) «من حمل ميتا فليتوضأ» فقالت: أو نجس موتى المسلمين؟ و ما على رجل لو حمل عودا؟ [٢] و نراها تنقد أيضا عمر بن الخطاب، و ابنه عبد اللّٰه، و المغيرة بن شعبة، لروايتهم عن رسول اللّٰه حديث: «الميت يعذّب ببكاء أهله عليه» فقالت: يرحم اللّٰه عمر، لا و اللّٰه ما حدّث رسول اللّٰه «إنّ اللّٰه ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه» و لكنه قال: «إن اللّٰه يزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه» ثم قالت: حسبكم القرآن وَ لٰا تَزِرُ وٰازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرىٰ. و قال ابن عباس عند ذلك: «و اللّٰه أضحك و أبكى» [٣] أي إن الإبكاء لو كان من اللّٰه سبحانه و تعالى، فلما ذا يعذّب الميت ببكاء أهله عليه؟
ثم بيّنت عائشة سبب ورود الحديث عند نقدها لقول ابن عمر، فقالت:
رحم اللّٰه أبا عبد الرحمن، سمع شيئا فلم يحفظه، إنما مرّت على رسول اللّٰه (ص) جنازة يهودي و هم يبكون عليه. فقال: «أنتم تبكون و إنه ليعذّب» [٤] و نراها تنتهج أسلوب النقد التعريضي في بعض الأحيان.
منها: أنها نقدت تلويحا حديثي أبي هريرة و ابن عمر: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير من أن يمتلئ شعرا» [٥] بما روت عنه (ص) بأنه كان يضع لحسّان منبرا في المسجد فيقوم عليه يهجو من قال في رسول اللّٰه (ص)
[١] المستدرك ٢: ٢١٥ و مصدر آخر.
[٢]- سنن البيهقي ١: ٣٠٧.
[٣]- صحيح مسلم ٢: ٦٤٢ ذيل الحديث ٢٣.
[٤]- صحيح مسلم ٢: ٦٤٢- ٢٥.
[٥]- مسند احمد ١: ١٧٧، صحيح البخاري ٨: ٤٥، سنن أبي داود ٤: ٣٠٢- ٥٠٠٩.