وضوء النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٢٠٧ - تدوين السنّة النبويّة، و دور الحكام فيه
الذين اكتفوا بدراسة الأسانيد دون معرفة ملابسات التشريع.
إذن، فخروجنا و تخطّينا لما نعتقده هو نقص، إذ لا يمكننا الوقوف على الأحكام بصورتها الواضحة إلّا ببيان مثل هذه القضايا، و إليك أحد تلك المواضيع الدخيلة و المؤثّرة في فهم الشريعة:
تدوين السنّة النبويّة، و دور الحكام فيه:
يبدو أنّه لمّا عاجلت المنيّة عمر بن عبد العزيز أعرض ابن حزم عن كتابة الحديث، خاصّة لمّا عزله يزيد بن عبد الملك،- الذي تولّى الخلافة بعد عمر بن عبد العزيز سنة ١٠١ ه-، و كذلك توقّف كلّ من كانوا يكتبون مع أبي بكر، و فترت حركة التدوين، إلى أن تولّى هشام بن عبد الملك سنة ١٠٥ ه، فجدّ في هذا الأمر ابن شهاب الزهريّ المتوفّى سنة ١٢٤ ه بل قالوا: إنّه أكرهه على تدوين الحديث، لأنّهم كانوا يكرهون كتابته- كما سيتبيّن لك بعد- و لكن لم تلبث هذه الكراهيّة أن صارت رضا .. و لم يلبث ابن شهاب أن صار حظيّا عند هشام، فحجّ معه، و جعله معلّم أولاده، إلى أنّ توفي قبل هشام بسنة، و توفي هشام سنة ١٢٥، و بموته تزعزع ملك بني أميّة، و دبّ فيه الاضطراب [١].
و قد حدّث معمّر عن الزهريّ، إنّه قال: كنّا نكره كتابة العلم، حتّى أكرهنا عليه هؤلاء الأمراء، فرأينا أن لا نمنعه أحدا من المسلمين [٢].
و في آخر: استكتبني الملوك فاكتبتهم، فاستحيت اللّٰه إذ كتبتها للملوك و لا أكتبها لغيرهم [٣].
و الآن، نتساءل. من هم أولئك الحكّام الذين يدعون إلى تدوين السنّة الشريفة؟! ألم يكونوا هم أبناء أبي سفيان، و الحكم بن العاص و من يماثلهم؟
أ ليس هم الذين وقفوا بوجه النبيّ، و لم يدخلوا في الإسلام إلّا مكرهين؟!
[١] أضواء على السنّة المحمّديّة: ص ٢٦٠.
[٢] تقييد العلم، للخطيب البغداديّ: ص ١٠٧.
[٣] جامع بيان العلم و فضله، لابن عبد البرّ ١: ٧٧.