وضوء النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٣٩٩ - مذهب الإمام مالك
ليكتب له (الموطّأ)، و قال له: انّه سيحمل الناس على ذلك، و يجعل العلم علما واحدا! و بعد وفاة المنصور تمكّن المهديّ العبّاسيّ من احتواء كلا الخطّين، إذ أناط الى أبي يوسف مهنة القضاء و قرّبه إليه، في حين كان المنصور قبله قد كسب الإمام مالكا، و قد قرأت ذلك سابقا و عرفت تفانيه في خدمة المنصور.
و قد نقل عن الإمام مالك انّه قال للمنصور: «لو لم يرك اللّٰه أهلا لذلك ما قدّر لك ملك أمر الأمّة، و أزال عنهم الملك من بعد نبيّهم و لقرّب هذا الأمر إلى أهل بيته. أعانك اللّٰه على ما ولّاك و ألهمك الشكر على ما خوّلك، و أعانك على ما استرعاك».
و اتّخاذ هذا الموقف من قبل مالك لصالح الحكّام جعل أستاذه ربيعة الرأي يبتعد عنه و يكرهه، لأنّه كان لا يداهن السلطان و لا يرتضي التعامل معهم، فلذلك هجر الناس- تبعا للحكومة- ربيعة الرأي، و التفّوا حول مالك.
و على أيّ حال، فقد اعتذر المنصور من مالك في سنة ١٥٠ أو ١٥١ لما أصابه من الضرب على يد والي المدينة، فقرّبه و لاطفه و طلب منه أن يؤلّف له كتابا في الفقه ليكون المعوّل عليه عند المسلمين.
فقال: «يا عبد اللّٰه، ضع هذا العلم و دوّنه، و تجنّب فيه شواذ عبد اللّٰه بن مسعود و رخص ابن عبّاس و شدائد ابن عمر، و اقصد إلى أوسط الأمور و ما اجتمع عليه الأئمّة و الصحابة، لنحمل الناس إن شاء اللّٰه على علمك و كتبك و نبثّها في الأمصار، و نعهد إليهم إلا يخالفوها و لا يقضوا بسواها» [١].
فاستجاب مالك لطلب المنصور، و ألّف (الموطّأ) مع علمه بأنّ أهل العراق لا يستجيبون لما كتبه، لكنّ المنصور طمأنه بأنّه سيحملهم عليها بالقوّة و السلطان!! فصار (الموطّأ) دستور الحكومة، و أوّل كتاب دوّن في الحديث للدولة العبّاسيّة.
و قد روي أنّ أبا يحيى معن بن عيسى القزّاز قرأ الموطّأ على مالك للرشيد
[١] الإمامة و السياسة ٢: ١٥٠.