تحريرات في الأصول - الخميني، السيد مصطفى - الصفحة ٢٤٥ - الجهة الثالثة في القسم الأوّل منها
صام فقد أدرك الخير، و إذا ترك الصوم فقد فرّ من مفسدة التشبّه، و لمّا لم يكن في البين غالب فلا بدّ من الأمر و النهي، و تكون المسألة من موارد التزاحم بين المصالح و المفاسد عند المقنّن و في مرحلة الجعل و التشريع.
و من العجيب توهّم: أنّ ما نحن فيه من التزاحم؛ لإمكان أن يترك المكلّف أمر الصوم و النهي؛ لأنّه إذا صام من غير قصد القربة لم يمتثل الأمر و لا النهي، لأنّ ما هو الباعث على النهي هو الإفطار، لأنّه ترك التشبّه ببني أميّة، دون الصوم الباطل و بلا قربة، فعليه يكون الأمر و النهي من المتزاحمين [١]!! و أنت خبير بما فيه؛ ضرورة أنّ الثابت في أصل الشرع، ترك الصوم الّذي كان يأتي به بنو أميّة؛ و هو الصوم العباديّ بداعي التقرّب منه تعالى، و تركه لا يتوقّف على الإفطار.
نعم، إذا أتى بالصوم رياء فإنّه قد استجلب مفسدة التشبه و مفسدة الرياء، و ابتلي بعدم استجلاب ثواب الأمر أيضا.
و قيل: «إنّ المأمور هو طبيعة الصوم، و المنهيّ هو التعبّد بالصوم، فيتعدّد الموضوع» [٢].
و فيه ما مرّ. مع أنّ القائل به يعتقد بأنّ النسبة بين المأمور و المنهيّ عنه إذا كانت عموما مطلقا، فهي كما إذا كانت النسبة تساويا [٣]، فلا تنحلّ بذلك غائلة المسألة و المشكلة التي ابتلي بها القوم. و هناك (إن قلت فلتات) لا تخلو من الدقّة، و لكنّ العدول عن جميع هذه كان أولى.
أقول: من الواضح إمكان كون الطبيعة الواحدة مورد الأمر و النهي؛ إذا كان
[١] محاضرات في أصول الفقه ٤: ٣١٨.
[٢] فوائد الأصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي ٢: ٤٣٩.
[٣] فوائد الأصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي ٢: ٤١٠، أجود التقريرات ١: ٣٤١- ٣٤٢.