كتاب الخمس - الأراكي، الشيخ محسن - الصفحة ٣٦٩ - الدليل الرابع
ثانياً: قوله تعالى: وَ أَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ[١]، فإنّ التعبير بالاستخلاف عن ملكيّة الناس لما في أيديهم من الأموال ظاهر في الاستخلاف التشريعي، لأنّ الاستفعال هنا يدل على الجعل والتشريع أوّلًا، وثانياً: لقرينة السياق؛ فإنّ الوصف هنا مشعر بالعلّية، والمناسب للتعليل هو الاستخلاف التشريعي الذي يعني: أنّ الأموال التي بأيدي الناس هي لله بالملك التشريعي وقد استخلف عليها هؤلاء الناس كما هم يستخلفون بعضهم على أموالهم، ومن لوازم الاستخلاف أن يمتثل المستخلَف أمر المستخلِف في ما استخلفه فيه، فعليهم أن ينفقوا من تلك الأموال التي استخلفهم الله عليها.
أمّا الاستخلاف التكويني بمعنى التمكين والتسليط الصرف مجرداً عن التسليط الشرعي، فهو وإن كان صحيحاً في ذاته فإنّ الله هو الذي مكّن أصحاب الأموال من أموالهم التي بأيديهم، ولكن الاستخلاف بمعنى التمكين إن كان مجرّداً عن الاستخلاف التشريعي، لا يستلزم وجوب امتثال المستخلَف لأمر المستخلِف؛ لأنّ الاستخلاف التكويني لا يستلزم شرعيّة سلطة المستخلِف، فضلًا عن شرعيّة استخلافه لغيره، لكي يصحّ كونه سبباً وعلّة لوجوب امتثال أمر المستخلِف بالانفاق.
ومن الدليل عليه من السنّة:
أوّلًا: ما رواه الكليني والصدوق بسند صحيح عن أبي عبدالله (ع) قال:" إنّ جبرئيل كرى برجله خمسة أنهار: لسان الماء يتبعه الفرات؛ ودجلة؛ ونيل مصر؛ ومهران؛ ونهر بلخ. فما سقت أو سقى منها فللإمام، والبحر المطيف بالدنيا"[٢].
[١] . سورة الحديد: ٧.
[٢] . الوسائل، أبواب الأنفال، الباب ١، الحديث ١٨.