كتاب الخمس - الأراكي، الشيخ محسن - الصفحة ٢٧٣ - مؤونة التحصيل
ولكن، بالرغم من إطلاق استثناء مؤونة التحصيل في كلام الفقهاء، وتركهم للتعّرض لأيّ تفصيل فيها، نجد أنّ المنهج العلمي في البحث يفرض علينا أن نتعرض لبعض القيود التي يمكن القول باعتبارها في مؤونة التحصيل كي يصحّ خروجها عن دليل وجوب الخمس خروجاً تخصّصياً أو تخصيصيّاً.
والقيود هي:
أوّلًا: عقلائية المؤونة بمعنى أن تكون مؤونة التحصيل كيفاً وكمّاً مؤونة عقلائيّة، فلو قام ضمن تجارته بمعاملة سفهيّة أنفقَ فيها من فائدة التجارة التي كان يمارسها مبلغاً معتداً به، بحيث أتلف على صاحب الخمس حقّه في الفائدة التي صرفها بصورة غير عقلائية في المعاملة المذكورة، فذهبت الفائدة التي كان قد حصل عليها في تجارته السابقة على هذه المعاملة، فلا وجه عندئذ للقول باستثناء هذه المؤونة من وجوب الخمس، بل الظاهر وجوب دفع خمس الفائدة التي تلفت عليه ضمن المعاملة السفهيّة المذكورة.
وثانياً: اقتصادية المؤونة، ونقصد باقتصاديّتها أمراً آخر غير عقلائيتها، وهو مقبوليّة المؤونة في العرف الاقتصادي، فقد تكون المؤونة عقلائية في ذاتها ولكن لا تكون اقتصاديّة، كما إذا كانت لديه كميّة من المال كعشرة ملايين- مثلًا- وكان العرف الاقتصادي يرى أنّ الطاقة التنمويّة لهذا المال يعادل العشرين بالمئة سنوياً، أي أن العرف الاقتصادي كان يرى أنّ هذه الكميّة من المال سوف تدرّ على صاحبها- إذا استثمرها- ربحاً لا يقل عن العشرين بالمئة من رأس المال سنوياً، بشرط رعاية المنهج السليم في الاستثمار، ومن شرائط المنهج السليم من الناحية الاقتصادية عدم رفع مستوى الكلفة المالية بالأُمور غير الضروريّة، كتشغيل طاقم غير ضروري اقتصادياً، أو تحمُّل كلفة زائدة من وجهة النظر الاقتصادية، من قبيل الاستفادة من الطاقة الكهربائية بدلًا من الطاقة الزيتيّة مع وفور الطاقة الزيتيّة ورخصها، وغلاء الطاقة الكهربائية، فإذا اختار صاحب الثروة وبصورة عمديّة اتباع الطريقة ذات الكلفة الزائدة بحيث سبّب نزول مستوى الطاقة التنمويّة للمال