كتاب الخمس - الأراكي، الشيخ محسن - الصفحة ٢٦ - الشبهة الثالثة
وثانياً: في قوله تعالى في ذيل الآية: إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَ ما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ دلالة أُخرى على عموم الخمس للفائدة، وذلك لأنّ التعليق على الإيمان بالله وما أُنزل على رسوله إنّما يناسب ذلك، فإنّ تسليم خمس غنائم الحرب للرسول كان أمراً لابدّ منه لكل مقاتل يشترك في القتال ضدّ أعداء الله مع المقاتلين المسلمين فلم يكن أداء خمس غنائم الحرب للرّسول أمراً يكشف عن الإيمان بالله وبالرّسول المقصود به- كما هو واضح- الإيمان القلبي الحقيقي المقابل للنفاق، بل كان جميع من اشترك في صفوف المقاتلين- ومنهم طبعاً المنافقون- يجلبون الغنائم كلّها لرسول الله (ص) أو للقائد الذي يبعثه الرسول ويجعله أميراً على الجيش، ثمّ يكون الرسول أو القائد المنصوب من قبله هو الذي يقسّم الأربعة أخماس بين المقاتلين، بل وكانت سنّة جارية لدى العرب الجاهليين أن يجلبوا غنائم الحرب إلى رئيس القبيلة أو العشيرة، وكانت العادة آنذاك أن يعزل الرئيس الربع لنفسه، ويقسّم الباقي بين المحاربين، ولما جاء الإسلام ونزلت آية الخمس خفّف الله عنهم بتشريع الخمس، فاكتفى للزعيم- وهو رسول الله وأهل بيته- بخمس الغنائم، وأمره أن يقسّم الأربعة أخماس الباقية بين المقاتلين.
إذاً، فلم يكن تسليم خمس غنائم الحرب للرسول دليلًا على الإيمان بالله، وأمارة على عدم النفاق، إنّما الدليل على الإيمان الحقيقي والخلوص من النفاق هو تسليم خمس الفائدة ونظائرها ممّا لا يعلم به وبمقداره الحقيقي عادة إلّا من يجب عليه الخمس، فإنّ إخراج خمس من هذا القبيل هو الذي يكشف عن حقيقة الإيمان بالله وما أنزل على رسوله (ص)، لأنّ من اليسير للمنافق أن يتنصّل عن مثل هذا الخمس ويأبى عن إخراجه لله وللرسول، ولا يتطوّع لمثل هذا الخمس غالباً إلّا المؤمنون الذين حسن إيمانهم. وقد ثبت في التجربة التاريخية أيضاً أنّ المؤمنين وحدهم هم الذين التزموا عملياً بدفع خمس الفائدة لأهله دون غيرهم من منتحلي الإسلام، ممّا يؤكّد مضمون الآية الشريفة وأنّ الخمس إنّما يخرجه لأهله أُولئك المؤمنون بالله وبما أُنزل على رسوله يوم الفرقان.