إرشاد الطالب في شرح المكاسب - التبريزي، الميرزا جواد - الصفحة ٢٦٧ - الاحتكار
الذكر الحكيم، ولم يحل بين العبد في ضعفه وقلّة حيلته أن يبلغ ما سمي له في الذكر الحكيم. أيّها الناس، إنّه لن يزداد امرؤ نقيراً لحذقه، ولم ينقص امرؤ نقيراً لحمقه، فالعالم بهذا العامل به أعظم الناس راحة في منفعته، والعالم بهذا التارك له أعظم الناس شغلًا في مضرّته، وربّ منعم عليه مُستَدْرَجٍ بالإحسان إليه، و ربّ مغرور في الناس مصنوع له، فأبق أيّها الساعي من سعيك، وأقصر من عجلتك، وانتبه من سِنَة غفلتك، وتفكّر فيما جاء عن الله عز وجل على لسان نبيّه صلى الله عليه و آله».
وفي رواية عبداللَّه بن سليمان، قال: «سمعت أبا عبداللَّه عليه السلام يقول: إنّ اللَّه عزوجل وسّع في أرزاق الحمقى ليعتبر العقلاء، ويعلموا أنّ الدنيا ليس يُنال ما فيها بعمل ولا حيلة». وفي مرفوعة سهل بن زياد أنّه قال: «قال أميرالمؤمنين عليه السلام: كم من متعب نفسه مقتّر عليه، وكم من مقتصد في الطلب قد ساعدته المقادير». وفي رواية علي بن عبدالعزيز قال: «قال أبوعبداللَّه عليه السلام: ما فعل عمر بن مسلم؟ قلت: جعلت فداك! أقبل على العبادة وترك التجارة، فقال: ويحه! أما علم أنّ تارك الطلب لا تستجاب له دعوته؟ إنّ قوماً من أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه و آله لما نزل قوله تعالى:
«وَ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً* وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ» أغلقوا الأبواب وأقبلوا على العبادة وقالوا: قد كُفينا! فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه و آله فأرسل إليهم، فقال لهم: ما دعاكم إلى ما صنعتم؟ فقالوا: يا رسول اللَّه تكفّل اللَّه تعالى لنا بأرزاقنا فأقبلنا على العبادة.
فقال صلى الله عليه و آله: إنّه من فعل ذلك لم يستجب له، عليكم بالطلب».
وقد تقدّم رواية أنه: «ليس منّا من ترك آخرته لدنياه، ولا من ترك دنياه لآخرته». وتقدّم أيضاً حديث داود على نبيّنا وآله وعليه السلام وعلى جميع أنبيائه الصلاة والسلام، بعد الحمد للَّهالملك العلّام، على ما أنعم علينا بالنعم الجسام التي من أعظمها الاشتغال بمطالعة وكتابة كلمات أوليائه الكرام التي هي مصابيح الظلام للخاصّ والعامّ.