إرشاد الطالب في شرح المكاسب - التبريزي، الميرزا جواد - الصفحة ٢٣٤ - بيع المظروف مع ظرفه
السلطان وأتباعه والمراودة مع التجّار والأغنياء والعلماء الذين لا ينتفع منهم إلّابما في أيديهم من وجوه الزكوات وردّ المظالم والأخماس وشبه ذلك، كما كان ذلك متعارفاً في ذلك الزمان، بل في كلّ زمان، فربما جعل الاشتغال بالعلم بنفسه سبباً للمعيشة من الجهات التي ذكرناها.
وبالجملة، فلا شهادة فيما ذكر من كلام الشهيد رحمه الله- من أوّله إلى آخره- وما أضاف إليه من الروايات في الجمع المذكور، أعني: تخصيص أدلّة طلب الحلال بغير طالب العلم. ثمّ إنّه لا إشكال في أن كُلّاً من طلب العلم وطلب الرزق ينقسم إلى الأحكام الأربعة أو الخمسة. ولا ريب أنّ المستحب من أحدهما لا يزاحم الواجب، ولا الواجب الكفائي الواجب العيني. ولا إشكال أيضاً في أنّ الأهمّ من الواجبين العينيين مقدّم على غيره، وكذا الحكم في الواجبين الكفائيين مع ظن قيام الغير به. وقد يكون كسب الكاسب مقدمة لاشتغال غيره بالعلم، فيجب أو يستحب مقدّمة. بقي الكلام في المستحب من الأمرين عند فرض عدم إمكان الجمع بينهما، ولا ريب في تفاوت الحكم بالترجيح باختلاف الفوائد المرتّبة على الأمرين.
فربّ من لا يحصل له باشتغاله بالعلم إلّاشيء قليل لا يترتّب عليه كثير فائدة، ويترتب على اشتغاله بالتجارة فوائد كثيرة، منها: تكفّل أحوال المشتغلين من ماله أو مال أقرانه من التّجار المخالطين معه على وجه الصلة أو الصدقة الواجبة والمستحبّة، فيحصل بذلك ثواب الصدقة وثواب الإعانة الواجبة أو المستحبّة على تحصيل العلم. و ربّ من يحصّل بالاشتغال مرتبة عالية من العلم يُحيي بها فنون علم الدين، فلا يحصل له من كسبه إلا قليل من الرزق، فإنّه لا إشكال في أنّ اشتغاله بالعلم والأكل من وجوه الصدقات أرجح. وما ذكر من حديث داود على نبيّنا وآله وعليه السلام فإنّما هو لعدم مزاحمة اشتغاله بالكسب لشيء من وظائف النبوة والرئاسة العلمية.